المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رقي الدسوقي Headshot

على طاولة الملوك

تم النشر: تم التحديث:

ثلاثون عاما و هما جالسان حول نفس الطاولة يلعبان الشطرنج و قليلا ما يلعبان الدومينو، لا تدري كيف نسيهم الزمن أو كيف نسياه ، لكنه بالتأكيد ترك بصماته على أجسادهما الهزيلة المحنية و بضعة أسنان قليلة كبقايا حضارة بائدة و صحراء من الصلع على جانبيها واحات من شعر يقاوم الانقراض.
عندما انتقلت لأسكن في وسط البلد اخترت هذا المقهى بالذات لأكون من رواده الدائمين فالمكان هادئ والكل في حالة تشعر أنه مقهى للمثقفين لكنه ليس كذلك فالقراءة الوحيدة هنا للجرائد والشغف الوحيد للشطرنج أو الدومينو، لا مباريات لا قنوات أغاني.. لا يوجد تلفاز أصلا!
أول ما لفت انتباهي هذان العجوزان بترددهما الدائم على المقهى نفس الموعد على نفس الطاولة وسألت عنهما "عبوده" ( القهوجي ) الذي عاجلني بالإجابة كخبير استراتيجي : يا باشا دي تربيزة الملوك ، دول تقريبا موجودين قبل القهوة! حتى صاحب القهوة اشتراها وهما قاعدان.
و استطرد بصوت خافت: هما عواجيز آه بس ولاد لذينة محدش قدر يغلبهم أبدا.. عشان كده مسمينهم الملوك.
بمرور الأيام عرفت منه أنهما على المعاش منذ سنوات ولأحدهما ابن يعمل طبيبا في السعودية وللآخر ابن و ابنة كلاهما خارج البلاد ايضا وغالبا أرملان أيضا. نادرا ما تسمع صوتهما إلا في مشاحنتهما اللذيذة عندما يهزم أحدهما الآخر و يقول بلهجة ساخرة .. أنت أصلا غبي، أو عندما يتأخر أحدهما في اللعب فتجد الآخر يقول آمرا: العب يا حمار..
الحقيقة أحببتهما بل أحسدهما.. كيف تخلصا من مشاكل هذه الدنيا السخيفة واختزلا المكان والزمان في هذه الرقعة المربعة بالأبيض والأسود.
تعرفت عليهما على الفور و كان أطول حديث دار بيننا هو عن حالة الطقس، فالحديث معهما يشعرك أنك ضيف ثقيل على عالمهما الخاص. تكمن الإثارة فقط عندما يتحمس أحد الزبائن و يلاعب أياً منهما ليخرج سريعا يجر أذيال خيبة وسط ضحكات شامتين.
على النقيض تماما كان هناك "ماندو" ذلك النوع من الشباب المتحمس الذى تسمعه وتراه طول الوقت فهو يتحدث مع الكل عن كل شيء، يعمل - أو لا يعمل - في مصلحة المجاري.. أصبح صديقا للكل خاصة أنا، فنحن في نفس العمر تقريبا وكلانا يعمل في مصلحة حكومية بغيضة.
بحكم صداقتنا الوليدة طلب مني ماندو أن أعلمه الشطرنج لعله يلاعب أحد الملوك في يوم من الأيام.. وفعلت . وأصبح الروتين اليومي التحدث في السياسة أو الأخبار قليلا ومشاهدة الملوك واللعب مع ماندو الذي يتحسن مستواه سريعاً.
الحياة على المقهى جميلة، رتيبة لكن مسلية، الكل هنا يدع همومه خارجا.
حتى جاء يوم لن أنساه أبدا..
كان كل شيء يجري كالمعتاد وكنت أشاهد من بعيد أحد مباريات الملوك، قد بدأت اللعبة للتو وكان أحدهما على وشك البدء عندما أمسك بالبيدق ولكن على غير المعتاد طالت مسكته للقطعة البيضاء وهم صاحبه لتوبيخه الا أنه وجد في عين صديقه نظرة غريبة، نظرة ألم جامح، وبصعوبة بالغة ترك الرجل البيدق وأمسك الملك وببطء نكسه وهو يقول بصوت شبه مكتوم: "هتوحشني يا حمار"
و سقط الرجل من على كرسيه وهو يمسك قلبه وانقض صديقه والجميع لمساعدته لكن الرجل أغمض عينيه في ألم وهدوء.... ولم يفتحهما ثانية.
كانت الجنازة حزينة بسيطة، فغالبا لم يحضر إلا القليل من أقارب الرجل ورواد المقهى كلهم، المشهد الأكثر حزنا هو رؤية صديقه الذى لم يبك ولم يتكلم أيضا.. ترى الرجل وكأن أحزان الأرض خرجت لتسكنه هو فقط، أودع صديقه الوحيد مثواه الأخير ورحل.
مرت سبعة أيام لم يظهر فيها الملك الوحيد ولم يستطع أحد الاقتراب من "ترابيزة الملوك " حتى ظهر الرجل في اليوم الثامن و يسنده ابنه الطبيب الذى جاء من السعودية فورا لتدني صحة أبيه.
اتجه الرجل بمساعدة ابنه إلى طاولته المعتادة وعندما جلس أومأ لابنه أن يتركه وحده قليلا وفهمنا أنه لم يتكلم منذ مات صديقه. عندما نظر الرجل إلى الكرسي الفارغ والملك المنكس انفجر بالبكاء وتحررت دموع ظلت حبيسة لتملأ تجاعيد وجهه لتجد طريقها لتسقط على يده المرتعشة.
كان منظرا مهيبا بالفعل وبكى كل من رأى الملك الوحيد يبكى صديق عمره.
أنهى الرجل بكاءه فجأة وجفف دموعه ورفع يده ببطء ليرفع الملك المهزوم ليقف شامخا، و نظر إلى الكرسي الفارغ لينطق لأول مرة: "هنخلص الدور"
و أشار لابنه ليأخذه ورحلا.
عرفنا في اليوم التالي بوفاة الرجل، أزهقت روحه وهو نائم مبتسم في سلام.
لم أحزن كثيرا،فهناك شيء بداخلي يعلم أنه اجتمع شمل الصديقين بطريقة ما وأن ......
استفقت فجأة من ذكريات على يد ماندو الذي ينبهني أنه حان دوري في اللعب ونظرت له وقد امتد المشيب إلى شعره و إلى نظارته الطبية التي أصبحت جزءاً من ملامحه منذ سنوات.
ما تلعب يا بجم، بقالك ساعة سرحان
قلت له ضاحكا: ماشي يا سيدى... بس برضه إنت حمار مبتعرفش تلعب... هطلبلك كوباية شاي تفوقك من اللعبة اللي فاتت... عبودة واحد شاي للمغلوب
عبودة صائحا بصوت قائد في معركة: وعندك واحد شاي على ميه بيضة.. على تربيزة الملوك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.