المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم تيسير الحرازين Headshot

اصرخ

تم النشر: تم التحديث:

تُشيد الجُدران لِتأوي أجسادنا وتحتويها، لِتلتقفها من لهيب الزمن وأنياب ساكنيه، جُدرانٌ مِن طوب بضربة مباغتة قد تُدمر! ولكن يبقى حضن العائلة دافئاً وواحداً، إلا إذا اخترق هذا الحضن جدرانٌ مِن سراب، جُدران وهمية لكنها الأسوأ، إنها الشر الذي يخترق قلوبنا فتصيبها بالعمى, فتغرق مشاعرنا التي كانت بالظلام، إن كُنت واقفاً أمامي لا أراك ولا تراني، بل لا أطيق تلك الجدران الحجرية التي تحتوينا.

جدرانٌ مخيفةٌ مخفية، لا نكتشف وجودها إلا بعد فوات الأوان، حينما نغرقها بالغضب، سوء الفهم، والوجع، حينما نغرقها بكمٍّ هائل من المشاعر المتضاربة المتعاكسة نحجب أعين قلوبنا عن بعضها، حتى نلفظ ما تبقى من مشاعر الحب بعيداً، ونبتعد متخذين مِن الزوايا المظلمة التي لا تحتوي أياً مِنا مكاناً لنا، زوايا سيكون مصيرنا فيها الموت ألماً.

نحن لم نختر أبداً هذه الجدران، ولم نقصد يوماً أن نكون سبباً في تشييدها، قد قلت سابقاً قد فات الأوان على تدميرها، لكنني مخطئة، فالسبب في بناء هذه الجدران الوهمية هو شقٌّ أحدثه جرحٌ ما بيننا، ذاك الشق الذي ظل يكبُر بيننا في كُل مرةٍ نُسيء ظننا ببعض، فيشتعل فتيل الغضب، ونطلق رصاص الشتائم على بعضنا البعض, حتى نفقد الأمل بوجود تلك اللحظة من التفاهم، لنبتعد دون وداع، دون لحظةٍ نتذكر فيها كل ذاك الحب الذي كان، الضحك والابتسامات، الدموع المشتركة، وكم مِن حضن أدفأ أرواحنا، ننسى كُل ما كان بيننا كأنه لم يكن، هذه الجدران أغشت قلوبنا وعقولنا وأبصارنا، نظنُّ أنه كلما ابتعدنا كلما كنا سعداء، لكننا مخطئين؛ لأن هذه الجدران وإن أصابتنا بالعمى لن تقدر أن تمحو كُل الذكريات الجميلة، كُل أحلامنا المشتركة، لن تمحو وجودك من ذاكرتي، ولن تمحو وجودي من ذاكرتك، لأننا كنا كياناً واحداً، عائلة واحدة، ولأننا لازلنا كذلك، فلا تستسلم لها واصرخ بِملء صوتك كمطرقةٍ وحطمها؛ لأن الخطأ كان وليداً دواخلنا، ونحنُ نأبى الاعتراف بذلك،>

نلقي اللوم على بعضنا، أوجاعنا، ماضينا، وعلى الأشخاص من حولنا، أسلوب الرفض والإنكار وعدم التمسك بهذه الحقيقة كان سبباً كبيراً في تشييد هذه الجدران اللعينة، قال لي صديقٌ ما: "لا أحد يعترف بخطئه"، أجبتهُ بِثقة كاذبة: "أنا أعترف بخطئي"، حسناً، أنا أعترف بأنني كاذبة، لأنني وأنت أيضاً والكثيرُ مثلنا لا يعترف بالخطأ، نعتقد بأننا على المسار الصحيح وهم المخطئون، نظن بأن الاعتذار تهديدٌ لكرامتنا، ألهذه الدرجة من الصعب أن نقول لبعضنا: "أنا آسف عما بدر مني"، حتى وإن كنا غير مخطئين.

عليك أن تعتذر؛ لأنك شريك في بناء هذا الجدار، عليك أن تعتذر للذكريات الجميلة التي خدشتها المشاكل والأوجاع، عليك أن تعتذر لكُل المشاعر التي كانت تضخ في قلبك، لذلك اصرخ بملء صوتك وامسك يداي ويد كُل من تحبهم وحطم الجدار، قل أنا: "آسف، رغم كُل شيء لن أنسى ولم أنسَ ما كان بيننا", فلو كان هناك فرصة أن يلتئم الجرح، ويختفي الجدار عليك أن تتمسك بها وإن كنت الطرف الوحيد في ذلك، لأنك بذلك تثبت قوتك أمام ضعف استسلامهم للجدار، لا تغرق نفسك بظلامه، هو شيطان يزداد قوةً بإضعافك، باستسلامك، بتفريقكم، لذلك قم وحطمه، اعترف وقل كُنت مخطئاً وإن لم تكن.

قل أنا أسف، واضحك مِن قلبك، أحرق ظلامه بشعلة مِن الحُب، أعد الدفء للجدران الحجرية التي غرقت ببرود فراقكم، أعد النور الذي انطفأ بسبب استسلامكم للفراق، اجعل قلبك يضخ حُباً واصرخ بِملء فمك كمطرقةً لأنك قادر، ودمّر هذا الجدار حتى لا يأتي يوم وتغرق بالندم، حتى لا يأتي يومٌ وتكتشف كمّ أن الوحدة مُرةٌ كَالعلقم، اصرخ واملأ بيتك بصوت مِن الحُب وقُل دون خوف لمن تحبهم: أنا أحبك، أنا آسف، وذكرهم دائماً كمّ أن وجودهم في حياتك نعمةٌ، واشكرهم لأنهم أجمل النعم فيها، اصرخ واضحك بحب ولا تسمح لهذه الشياطين الوهمية بأن تفرقكم، لأنكم قبل كُل ذلك كيانٌ واحد، ولأن الحياة من دون عائلة، وأصدقاء قبرٌ موحش.
أرجوك اصرُخ بملء فمك: أنا أحبكم، حتى يردُ صدى قلبك وأنا كذلك، اصرخ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.