المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريم تيسير الحرازين Headshot

رسالة من السماء

تم النشر: تم التحديث:

أشعر بأنه لا يحق لي أن أكتب لك حرفاً واحداً، قلبي وعقلي يريدان البوح، أنا الآن مجرد سراب، أنا الوحش القابع في ذاكرتك، أنا من جعل قلبك ينزف دماً، أنا لا شيء، أنا اللاشيء يا زوجتي أنا الموت في حياتك، يا إلهي كم أكره نفسي، وكم كنتُ في بعض الأحيان أكره وجودك قربي، كان صعب علي أن أصدق -رغم كل بؤسي- أن الله رزقني بملاك نقيٍّ، بين الشر، الكذب، الخداع، الطعن والدلال المفرط..

الشر الذي خلقوه بداخلي، جعل من الصعب علي أن أصدق بأن هناك نقاءً كهذا في هذه الأرض، لم تكذبي علي يوماً، كنتِ صادقة لدرجة مخيفة، حتى ابتسامتك النقية كانت مخيفة، وكلماتك الصادقة كانت قاتلة، حتى حينما علمت بأنني وقعت بحبك خفت أكثر، كنت ألقي جُل غضبي عليكِ، لم يكن ذنبك بل ذنبي، كنتِ ملاكاً يشعرني قربه بأنني شيطان، بمدى وحشيتي ولكن زوجتي هل لكِ أن تسامحيني؟
أعلم أنه من الصعب عليكِ ذلك!

أتعلمين كم مرة تمنيتُ فيها الصراخ لأقول لكِ أحبك، ضحكتك مغرية لقلبي، كنت خائفاً من أن أضعف أمام حبك، فكيف لرجل عاش بين الحشائش الضارة، كانت كلمة أحبك مهينة، وأن أقرب الناس إليه أبناء دمه، كانوا يكذبون ويطعنون ويدعون الحُب ليقتلونك بعدها.

في كل مرة أثور عليكِ، لا تكذبين تتمسكين بكلمة الحق، كنتِ تُغضبيني، كنت أتمنى أن تقولي ولو كذبة، أن تلفقي الكلام، لأتأكد ولو لحظة بأنك مثلهم، ولكنك أبداً لم ولن تكوني كذلك، عيناكِ وأنتِ تتحدثين بالصدق كانت تجلدُني، فأثور عليكِ أكثر، وأؤذي جسدك الرقيق بالكدمات والركلات وأؤذي أذنيكِ بالسُباب، آهٍ كم أكره تلك الأيام، كم أتمنى لو تغلبت على كبريائي وحضنتك، صرخت وقلت أحبك، لم يكن ذنبك، بل ذنبي وذنب ذاك الوقت الذي عشت فيه بين زوجةٍ تظلم زوجها متسلطة، ومتكبرة، كل تلك الصور التي عشتها في صغري جعلت في داخلي عقدة، أن النساء كاذبات، قاسيات، لم أصدق بأن هناك نقيات، حتى دخلتي حياتي.

- كيف صبرتي وتحملتِ كل ذاك الوقت؟ كيف غرستِ حبي في قلب أبنائنا وأنا من جعلك تتمنين الموت، كيف يعقل أن تكوني بهذا النقاء؟
- أتعلمين ما الذي أتمناه؟
لو كان هناك حياةُ بعد الموت، أريد أن أولد طفلاً لكِ، لتغرسي في قلبي الحب، وزوجاً لكِ لأصرخ للعالم بأنكِ في حياتي كُل الحب، وشقيقاً لأية الله في الأرض، أريد أن أكون كُل شيء في حياتك، أريد أن أغير كل ذاك البؤس.

أعلم أنه من الصعب علي محو كل تلك الأوجاع والذكريات والندبات من روحك، لقد خدشتك كثيراً بل قتلتك.
أنا آسف، أنا أعلم أن أسفي لن يغير شيئا

في مرضي كنت أخاف الوحدة، أبقيك بجانبي، يثور غضبي عليكِ إذا ابتعدتِ، كنتِ ملجأي، كنتِ سلامي، كنتُ أشعر بأن الله سيغفر لي كلما كنتِ بقربي، رغم قسوتي وظلمي.
أتعلمين يا زوجتي حينما شعرت بأن أيامي باتت معدودة.. بكيت بحرقة، تمنيت لو الماضي يعود لأغير كل شيء، لأمحو كل ذاك الجرح، لأصنع ذكريات جميلة، ألقي جسدي بين ذراعيكِ، أقول لكِ أحبك، وأحتضنك.

بكيتُ كثيراً بسبب هذا الندم المتأخر، كنت خائفاً من الموت دون أن أراكِ، كلما كنتِ بقربي يزداد يقيني بأن الله رغم سوئي رزقني بقربك، كان يريد أن يثبت لي بكل لحظة أن هناك نقاءً، وأن هناك وقتاً لتتغير وتؤمن بالجمال، لكنني تأخرت لأدرك ذلك، فقدت وعيي لكن عقلي أبى أن ينساكِ، نسيت مَن حولي ومَن هم لكنني لم أنساكِ، ظللت أناديكِ، لأن اسمك كان دعاء سلامي، حنوتِ عليَّ في كل دقيقة في حياتي، لم تشعريني بالتذمر لحظة مرضي، كانت نظراتك صادقة، مثل قلقلكِ عليَّ، دموعكِ عليَّ صادقة وحضنكِ يوم اقترب موتي صادق، في اللحظة التي لم أدرك بها أحد حولي، كنت أعرف لمستك، صوتك، أنفاسك، كنت أعرف أنه أنتِ، فأهدأ كطفلٍ، في آخر لحظاتي، كنتُ غائباً عن الوعي لكنني كنت أشعر بالراحة، فرأسك ممددٌ على قدمي ودعاؤكِ في أذني، حينما حان وقت أن أدع هذا الجسد البائس خلفي ناديتُ عليكِ، كنتِ تنظرين إليَّ، وأنا كنت أنادي عليكِ، كنت سعيداً أتعلمين لماذا؟ لأنني تمنيت أن تكوني أنت الوجه الوحيد الذي أراه لحظة موتي، وفي لحظة موتي حينما فتحتُ عينيَّ كنتِ أنتِ وحينما نطقت شفتاي كان أنتِ.

سامحيني يا زوجتي
ولكن أتعلمين وإن سامحتني لن أسامحَ نفسي وسأظل غارقاً في الندم حياةً وموتاً
زوجتي اسمحي لي رغم فوات الوقت ومن السماء إلى الأرض أنا أحبك أنتِ .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.