المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة المرابط Headshot

لماذا لا نستطيع القضاء عليهم؟!

تم النشر: تم التحديث:

أزيد من أربع هجمات حملت إمضاء ما يعرف بالدولة الإسلامية في أقل من أسبوعين، فمن تفجير الطائرة الروسية بشرم الشيخ ومقتل جميع ركابها، مرورا بتفجير الضاحية الجنوبية لبيروت، وصولا إلى ما حدث ليلة الجمعة السبت في باريس، شكلت جميعها، سواء في دقة تنظيمها أو شدة فعاليتها، سابقة ذات دلالات وانعكاسات وجب التوقف عندها ومحاولة استقرائها.

قبل كل شيء؛ نعبر، عن استنكارنا الشديد لهذه الحوادث الأليمة، ولكن بقدر ما تستدعي هذه الأعمال الإجرامية، مهما كان مصدرها أو دوافعها، تنديدا شديدا من منطلق مبدئي إنساني، بقدر ما وجب التنويه إلى ضرورة التوقف، لا سيما في أوروبا، عن البحث دائما عن أدلة ومسوغات للتبرير الجماعي (سواء كعرب أو كمسلمين) لمثل هذه الممارسات والتبرؤ منها.

لأن هذه الأعمال لا تنسب إلا لمرتكبها، ولا يمكن رهن جماعة بأكملها وتحميلها المسؤولية بمجرد أن من وراءها يحمل اسما عربيا أو يدين بالإسلام. فلماذا لم تلصق، مثلا، تهمة الإرهاب بالمسيحيين حين نفذ النرويجي "أندرس بهرينج" مجزرة أوسلو، التي ذهب ضحيتها سبع وسبعون شخصا؟
الإرهاب واحد، لا لون له ولا دين. فكما كانت باريس ضحيته الأسبوع الماضي، فكذلك كانت أنقرة وبيروت وقبلهما العديد من المناطق الأخرى عبر العالم، كلها عانت من ظاهرة لا تفرق بين الأمم والشعوب ولا تستثني أحدا من الديانات والمذاهب.

إن هذه الهجمات بقدر ما تثير الدهشة والذهول، تدفعنا لمساءلة كل السياسات والاستراتيجيات السابقة التي رفعتها القوى العالمية، والتي بنت سياساتها على "الحرب على الإرهاب" ، كيف لم تستطع كل الإمكانات التي تمت تعبئتها والموارد التي تم تسخيرها من وضع حد لهذه الإشكالية؟ كيف نجد، وقد مرَّ أكثر من عقد من الزمن على هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتبني مشروع ما يسمى "بالحرب على الإرهاب"، هذه المجموعات يتضاعف عددها وتتعاظم خبرتها، ويزداد حضورها على مسرح الأحداث وتجد طريقها نحو أوساط الشباب المسلم في البلدان الغربية؟ لماذا تصر النخب المثقفة، لا سيما الغربية منها،على اجترار نفس الخطاب الذي يقوم على الاتهام والتحريض، رغم كل التفسيرات والتبريرات التي قدمها المسلمون والنخب المثقفة المنصفة من أجل عدم تحميل الإسلام المسؤولية؟ أين وفيمن تكمن المشكلة الحقيقية؟

الجماعات الإرهابية هي جماعات لا تستمد قوتها من ذاتها، فهي تحتاج إلى بيئة اجتماعية تكون بمثابة حاضنة تتغذى منها، وتتحرك فيها لاستقطاب أتباعها. ولقد شكلت المنطقة العربية المثال الأبرز لمجتمعات غابت عنها الحريات العامة والحقوق الأساسية، وتناوبت عليها مختلف أشكال الدكتاتوريات التي أبدعت في أساليب التحكم وكبح الحقوق المجتمعية، مما وفر مناخا مناسبا لتفريخ مثل هذه الجماعات. وكما أنه من الضروري للإرهاب أن يجد بيئة يحتمي داخلها، فالديكتاتوريات أيضا، ما كانت لتصمد لولا "البيئة الدولية" التي وفرتها الدول الغربية عن طريق تمكينها من الشرعية أولا، ثم من الحماية والدعم والمساندة ثانيا.

إن المشكلة في التعاطي مع هذا التهديد تكمن أساسا في التصور الذي وضع لمحاربته. لقد ظن صناع القرار الغربيون أن المقاربة الأمنية والاجتياح العسكري يمثلان الحل الأمثل من أجل القضاء على الإرهاب، لكن تجربة العراق وأفغانستان وغيرهما أثبتت عكس ذلك، حيث أن الاجتياحات العسكرية لم تساهم إلا في زيادة قوة هذه التنظيمات وتعاظم خبرتها. فعوض القضاء على "الإرهاب" في المنطقة كما تم التبشير بذلك، تم تفكيك دول بأكملها، تحولت مع تواتر الأحداث إلى دول فاشلة، بدون مؤسسات فعلية قادرة على الإمساك بزمام المبادرة والتحكم في مصائر شعوبها.

يكمن جوهر الإشكال، على ما يبدو لي، أن طبيعة الصراع ليست عسكرية، كما يتصور صناع القرار، بلهي مركبة، يتداخل فيها التاريخي والثقافي والديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. وعليه، فإن مداخل الحل تكمن في مدى القدرة على التصدي للأسباب التي أدت إلى استعباد هذه الشعوب، وإقصائها من الفعل التاريخي، وتهميشها وتحسيسها بالإحباط وانسداد الآفاق.

إن شعوب المنطقة سئمت من الأنظمة الفاسدة، ومن غياب مشاريع تنموية تفضي إلى النهوض بوضعيتها وواقعها المجتمعي، ومن غياب سقف واقعي للحريات يمكنها من المساهمة في تقرير مصيرها، لهذا يسهل استقطابها وتوجيهها.

الإرهاب هو انعكاس لواقع بلداننا، لهذا فلا الدبابات ولا الطائرات باستطاعتها القضاء عليه. لقد أضحى واقعا وخيارا من الخيارات المتاحة لشباب المنطقة التائه، لهذا فالقضاء عليه مرتهن بمدى قدرة مجتمعاتنا على النهوض والتحرر، والمضي في سبيل إحلال الرقي والعدالة الاجتماعية !

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.