المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أسامة المرابط Headshot

أي إسلامٍ نصدق؟ (1)

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن غريباً على طالب مسلم يدرس العلوم السياسية في ديار المهجر أن يسمع ردود أفعال عنصرية خلال نقاشات أكاديمية، تنم عن عداء عميق للإسلام كدين وتراث ثقافي وحضاري. ولكن استرعى اهتمامي مؤخراً، تصريحات ومواقف لشباب ذوي أصول عربية ومسلمة، تعتبر الدين الرسمي لبلدانهم مسؤولاً على إنتاج ثقافة مجتمعية تقوم على توليد العنف والكراهية.

وبعدما حاولت استبيان الموضوع، وجدت أن هذه الظاهرة لم تكن بتاتاً حالة شاذة في واقع الدول العربية، بل هي تظهر وتختفي حسب الوقائع والأحداث، لذلك عادت مؤخراً لتطفوا من جديد، فوق سطح المجتمعات العربية عامة ومجتمعات الربيع العربي بالخصوص، لتشكل بذلك إشكالية وجب التوقف عندها.

لا يمكن لأحد إغفال الوضعية التي عاشتها، ولازالت، مجتمعاتنا العربية، حيث ظلت هذه الأخيرة، مسرحاً لأشكال متعددة من التدهور والانحطاط الحضاري، على عكس ما كان عليه الوضع في فترة معينة من التاريخ، حيث كانت هذه المجتمعات تتغذى على رصيد معرفي وحضاري يمثل حصيلة إبداعات المسلمين وقدرتهم على بلورة أساليب حضارية متنوعة للاجتماع الإنساني. لكن مقابل هذه الصورة المرحلية القاتمة، كان وضع الغرب مختلفاً ومعاكساً تماماً، حيث شهد العالم خلال هذه الفترة بروز حضارة غربية ذات مؤهلات ثقافية ومعرفية، كفيلة بإبداع منجز حضاري فريد، ومن إعادة تشكيل نمط حياة الإنسان الغربي وصياغة نظام قيمه الخاص منه والعام، حسب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر.

والمثير في هذا السياق، يكمن في الانطباع الذي خلفه التلاقح الثقافي مع مرور الزمن بين هذين "العالمين" المختلفين، لدى فئة من الجيل الحالي تجاه دينهم وثقافتهم المجتمعية، هذا الانطباع الذي زادت وتيرته مع تسارع الزمن الإعلامي وتنامي سلطة الصورة والمعلومة. حيث شكل الفارق بين المنجزين الحضاريين صدمة ثقافية للعديد من الشباب، دفعتهم إلى تحميل دينهم ونتاج ثقافته مسؤولية الانحطاط الحضاري الذي تركوه في بلدانهم.

لا حاجة للتذكير بأن الإسلام، باعتباره منهج حياة لعدد هائل من سكان الأرض، كان ولا يزال مكوناً أساسياً لهويات تتنوع بتنوع الأعراق والأجناس. فلقد بنيت أنظمة ثقافية وتشكلت هويات اجتماعية مختلفة انطلاقاً من الدمج بين الإسلام كدين وبين مختلف الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية والثقافية، ما أفرز لنا مظاهر متعددة ومتنوعة للتدين. وكما ذكر يوسف زيدان، فالدينُ باعتباره أصلاً إلهياً وجوهراً للاعتقاد، يختلف عن التدَيُّن باعتباره تنوعاً إنسانياً ونتاجاً للاجتهاد.

ومن هذا المنطلق، فتنوع أشكال التدين الناتج عن تفسيرات وتأويلات هذا الدين حسب السياقات التاريخية والثقافية، يعكس جوانب الحيوية فيه والثراء، ولكن في غياب الرؤية الثاقبة والمقاربة التاريخية تم اختزال هذا الدين في شكل من أشكال هذا التدين أو ذاك.

إن ظاهرة تحميل الإسلام مسؤولية الوضعية الراهنة للمجتمعات العربية، سواء باتهامه كنظام متخلف غير قادر على إبداع أساليب حضارية وغير قادر على التفاعل مع القيم الحضارية الإنسانية السائدة، أو لكونه الدين الرسمي للعديد من الدول الاستبدادية العربية، أو لكونه متبنى من طرف جماعات متطرفة جعلت منه خزاناً مولداً للعنف والتحريض، تجد تفسيرها في هذا الخلط بين الدين والتدين، ناهيك عن طابع التعميم الذي يغلب على هذه المواقف، وغياب الدقة والتمييز في القراءة والتحليل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.