المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر صقر  Headshot

يوميات غائب في الأرياف (1-7)

تم النشر: تم التحديث:

رغبة السفر تستمر عادة مع الإنسان، فالحياة رحلة سفر قُطعت تذكرتها من لحظة إرادة الحياة التي منحها الله للإنسان.

تجد نفسي أنفة السفر وأعشق المكوث والاستقرار وعدم المغادرة للمكان الذي أعيش فيه دائماً؛ لأنني عادة أكوّن علاقات مع كل شيء حولي، مع فنجاني الصباحي، مع وجوه أصدقائي حتى وإن علاها بعد الضيق أحياناً أو الفرحة أحياناً أخرى كعادة البشر، حتى مع طريقي إلى العمل الذي أعرف كل تفاصيله الصغيرة بل حتى مع الشمس وهي تلاحق ظلّي الذي لا يملّ من الركض وراء خطواتي المتعثرة.

كان يوماً عادياً جداً ولكن طول البعاد الذي قضيته بعيداً عن وطني جعلني أترقب تلك اللحظة بفارغ الصبر، فمصر لكل مصري حقيقي هي شرايينه بل هواؤه الذي يمده بالحياة، ولا تصدق من يشتم أو ينفعل أو حتى يعارض بقسوة بلاده، ولكن ثق بأنه يمتلك حباً لو وزّع على الكرة الأرضية لوسعها بخطوط الطول والعرض.

تبدأ الرحلة في هذه السلسلة بلحظة الاستعداد، يا ترى ما الذي سأحاول تقديمه لأهلي الذين دفعوا مشاعرهم ثمناً لغربتي؟ هذا السؤال الذي يتسبب في إحراج كثير، ولكن يبقى هنالك من يفكر في محاولة تقديم ثمن الغربة، ومن يحاول أن يمزجها برغبة المكافأة ورد الجميل، ومن ينسى نهائياً ولا يفكر سوى في العودة دون أن ينبس ببنت شفة، ولكن تبقى هذه عادة المسافرين ولن تتغير.

ولكن موقفي مختلف فأهلي رفضوا سفري، ولكن رغبة النجاح هي من كلفتني هموم السفر، الرغبة في أن تختفي ثم تظهر شيئاً جيداً يجلب الفخر للأهل، كان ثمن غربتي هو مرور عامين ونيف دون أن أرى وجه أمي ولا أبي ولا أهلي، كان ثمن غربتي هو أن أودع أحبة إلى مثواهم الأخير ببوست أضعه على صفحتي لتحدث المواساة وفقط، في معادلتي كان الثمن كاملاً مدفوعاً من جهتي.

ثم تلتها مرحلة الانتظار أن تركب ذلك الاختراع البشري لتطير كما الطيور في السماء لتعود إلى عشك الأول الذي بناه الأجداد لك، قد لا تصدق أنني شرعت في كتابة هذا المقال الأول وأنا بين السماء والأرض، لتصيبني مشاعر الغبطة الإنسانية بهذا الاختراع الذي نركبه كثيراً ولكن دون أن ننتبه أن البشرية دفعت كثيراً لتحدث هذه المعجزة بكل معنى الكلمة، كم نحن عظماء، وكم هذا العقل البشري شيء رائع يستوجب الاحترام، وليس مخطئاً من قال إن العقل البشري يمتلك طاقة كبيرة ولكن لا أحد يشعر.

أستريح بين الفترة والأخرى وأنا أكتب هذه الكلمات الأولى في السلسلة, أحاول أن أرى شيئاً من النافذة ولكن لا تتضح لي أي ملامح، وأيضاً لا تستريح تلك التساؤلات الكبيرة في عقلي، يا ترى ما الذي سوف أجده في وطني بعد كل هذا الغياب الطويل الذي جلسته حالماً بوطن آخر مختلف عن الذي تركته؟ وطن يعيش فيه الجميع سواسية كأسنان المشط، يا ترى هل بقي هو هو؟ أم أن كثيراً من الأمور تغيرت فيه؟ لا أعرف ولكن ما أعرفه جيداً أن الرحلة انطلقت وأنه بقيت ساعتان وأصل إلى مطار الإسكندرية لآخذ الرحلة من الأطراف إلى العمق ولأسلط الضوء على تلك المروج الخضراء التي أعيش فيها، فقد تركتها وبقايا الجمال تدخل قهراً إلى غرفة الإنعاش تحاربها معاول القبح والعشوائية وتضرب بقسوة ليسقط آخر سور جميل بناه المصري القديم في أرض الوطن.

كنّا تقريباً جميعاً مصريين في الطائرة، منّا العامل والمهندس والمحاسب والصحفي والعامل ورب الأسرة وسيدات وبنات وسادة، ولكن ما لاحظته جيداً أن تلك الفرحة التي كانت تكسونا قديماً حين كنت أسافر مع عائلتي ليست موجودة الآن، تقريباً عاد الجميع كمن يسافر من بلدة إلى بلدة أخرى في ذات الدولة وليس السفر من عالم وفضاء إلى آخر مختلف، وبالتالي فمن الواضح أن العولمة أثّرت حتى على السفر ومشاعره القديمة التي كانت تصيب مسافر القرن الخامس عشرة ومسافر القرن الواحد والعشرين في ذات الصميم دون اختلاف، بقيت ساعتان ويحدث الانفجار العظيم فيا رب سلّم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.