المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر صقر  Headshot

حين تكسر السياسةُ البندقيةَ

تم النشر: تم التحديث:

"نشوة في إسرائيل، فرحة عارمة بهزيمة العرب".

دعونا نحن العرب نشرب نخبَ هزيمتنا دون مواربة، فلقد هزمنا جيش الشتات في حرب الأيام الستة.
كان حظي في إجازة نهاية الأسبوع مشاهدة فيلم "نكسة 1967" بأجزائه الثلاثة الذي أنتجته شبكة التلفزيون العربي، بدأ الوثائقي بذكر أسباب ما قبل النكسة، وأجواء ما قبل الهزيمة، وكيف أن العرب كانوا ينظرون باستخفاف إلى عدو مكّن نفسه كثيراً لتلك اللحظة التي انتظرها طويلاً وحاك ضدها الحيل والمؤامرات.

كان يراهم العرب فئةً سيلقى بهم قريباً إلى السمك، وغنّى على تلك الربابة إعلام أحمد سعيد، الذي كان عاملاً رئيسياً في صناعة المخدر، الذي جعل الفجيعة أكبر والهزيمة أكثر مرارة.

في حين كان ليفي أشكول قلقاً ويرى أن الضربة الأولى من الممكن ألا تنجح، وثقة الشارع الإسرائيلي كانت تتأرجح معه بين الشك وعدم القدرة على ضرب العرب.

اقتباس على لسان أحد الطيّاريين الإسرائيليين: "كنّا نتدرب على مهاجمة الطيران وهي رابضة على الأرض حتى أتقنا اللعبة".

الوثائقي يأخذنا في جولة تاريخية، ولكن أكثر ما آلمني هو مشاهدة قائد مصري يسرد كيف أنهم كانوا صيداً ثميناً للطيارين، لدرجة أنهم رفضوا أن يقتلونا وتركونا نموت من العطش، واكتفوا بمهاجمة معداتنا حتى نعود، هذا إذا كنا نعتقد أننا سنعود.

حتى طلقة الرصاص كان يعرف الإسرائيليون كيف يستغلونها في معركتهم ضدنا، هذا الرصاص الذي نلقي به كثيفاً في أفراحنا وأحزاننا نحن العرب، كانوا هم يوفرونه للقادم.

ومن الأشياء اللافتة للوثائقي أيضاً موضوع شهادة الجنرال عبد المنعم رياض، التي قدمها للرئيس عبد الناصر ولجامعة الدول العربية كنوع من شهادته عن الحرب، التي كان أحد قادتها، والتي أدت إلى هزيمة العرب أمام مشروع استيطاني كبير، ما زال يحاول الصمود أمام أحلام العودة.

كان حرفياً شهادة اعتراف على التقصير فليس عبد الناصر فقط مَن خرج للناس بالاعتراف أنه قائد مهزوم، ولكن أيضاً عدد من الأفراد، ومَن امتلك شرف المعركة ومواجهة نفسه قبل التاريخ.. ولكن يا ترى ماذا قال الجنرال رياض؟

"لقد هزمت السياسة العربية الجندية العربية".

بالفعل كم كانت تلك السياسة التي غرّد لها الكثير سبباً في عدم جاهزية الجندي للمعركة، فالمعركة ليست فقط أسلحة ومعدات ثقيلة وخططاً وضعها القادة الكبار، ولكن المعركة أكبر من ذلك كله، المعركة هي استعداد نفسي وبنية ثقافية وخط سياسي مدروس ومحسوب جيداً، يفهمه ويقتنع به الجندي الصغير قبل الجنرال الكبير، ها هو يونيو/حزيران يرحل، ولكن ما زال علقم الهزيمة مرّاً في حلق العرب الذين لا يريدون للنكسة التي تعني الهزيمة أن تتكرر معنا من جديد، وخاصة أن جيلنا حساسيته للهزيمة أصبحت عادية جداً، وأخاف أن تكرار هزائمنا يجعل تعوّدنا على الهزيمة عادياً جداً يا صديقي، فتُهزم وكأنك تشرب قهوة بل وتضع عليها السكر البني حتى لا يزداد وزنك؛ لتكتشف بعدها أنها معلومة خاطئة.

تُهزم وأنت تتريض في ليلة مساء هادئة إلا من خبر الهزيمة الذي يمر كخبر مقتل سارق على أيدي أهل الحي الكرام.
تُهزم وأنت تتحدث مع أهلك وكأن شيئاً لم يكن، تتنفس الهزيمة كهواء ملوث ببعض ثاني أكسيد الكربون، فتسمع منها عن الهزيمة وكأنها حكاية جارة مزعجة، ثم تعرّج على الاطمئنان على الجميع، لا تعرف كيف!

بالمناسبة وُلدت في آخر يونيو ولكني سُجلت في يوليو/تموز فقد كان ينسى جدي في كل مرة اسم المولود الجديد، سنوات مضت على الهزيمة، فيا ليتنا نتعلم ولا ننسى أن جنين الهزيمة أصبح اليوم كهلاً كبيراً، يحمل فوق ظهره شتاتاً لا ينتهي.

يا أيتها الهزيمة متى ترحلين عنّا.. متى ترحلين أيتها الملعونة؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.