المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر صقر  Headshot

صدفة في كابينة تشرشل!

تم النشر: تم التحديث:

كانت صدفة جميلة، فما أجمل اللقاء! وما أحلى الهدية التي وجدتها في كابينة هاتف كأنها قدمت من بريطانيا لتوها!

كانت حمراء كقلب ينبض بالعاطفة القوية، دخلت لأكتشف ما فيها متوقعاً أنني سأجد سماعة هاتف كلاسيكية؛ ولأعرف ولأعيش ولأشعر كيف كان يهاتف الرجل البريطاني حبيبته على سبيل المثال والمرتبط في ذهني بالمناسبة بالحرب العالمية الثانية وتشرشل ووعود هتلر بجعل بريطانيا كومة رماد!

كنت أتوقع أن أجد ذلك الخط الساخن بين بريطانيا والولايات المتحدة، ولكن ما أجمل ما وجدت!

لقد وجدت -يا سادة- كتباً مستعملة في الفلسفة والمنطق والإدارة والدين والدنيا باللغة العربية والإنكليزية، وسير ذاتية لعظماء وضعوا أقدامهم على الكرة الأرضية.

تساءل عقلي: يا ترى، هل نسي أحد كتبه في هذه الكابينة؟ بالتأكيد لا؛ لأن الرفوف تقول إن التصميم لم يوضع إلا من أجل أن يكون بها كتب. خرجت على الفور إلى خارج الكابينة لأجد مكتوباً بلغة عربية "مشروع الكتب المستعملة، بإمكانك أن تأخذ كتاباً واحداً، وأن تسهم معنا في وضع كتاب آخر مكانه".

دعني أقل لك: كم كنت سعيداً بذلك الشعار! فأي مثقف عربي يعرف قيمة هذا المشروع في ظل الغلاء المستمر الذي يأخذ من حصص الثقافة لدينا؛ لأن معركة الخبز مع الثقافة دائماً تُحسم لصالح الخبز، فأصبحت زيارتي من ساعتها لـ"كتارا" لا تخلو من كتابين أو ثلاثة أو أربعة في الأدب والفن والفلسفة والمنطق على مدار الشهرين الماضيين.

بالتأكيد، أنا أخرق القانون الموضوع، ولكن نهم القراءة لمن يعرفه يجعلك ضعيفاً جداً أمام هذا المشروع الرائع في الزمن العربي، المتراجع والمثخن بطعنات الجهل وفقدان الوعي.

لا أريد أن أكون مدّاحاً، ولكن هذا المشروع أنا مدين له كمثقف عربي وجد فجأة مشروعاً أنيقاً يقدم له خدمة ثقافية رفعت عن كاهله همّ القراءة الإلكترونية المجهدة للعين وهمّ التكاليف التي تُقتطع من راتب مُثخَن بالطعنات الاستهلاكية.

شكراً لكل من فكر ونفذ هذا المشروع العربي، الذي أتمنى أن أجده في كل بلادنا العربية التي يجب أن تنثر على أراضيها الخصبة الكتب مكان الرصاص، وأن نمسح بالورق الأصفر القديم الدم العربي المتناثر كلوحة سريالية غير مفهومة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.