المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر صقر  Headshot

السودان بعيون مصرية "4 - 5"

تم النشر: تم التحديث:

انتهيت من عملي وقررت أن أنزل أمشي قليلاً في شوارع السودان، أريد أن أرى الناس، فالفنادق دائماً لا تحمل إلا الوجوه الحسان والابتسامات الأنيقة، ولكن كم هو قاسٍ على النفس أن تكون وظيفتك هي إسعاد الناس وأنت تحمل الهموم والشجن في صدرك.

اقتنصت لحظة انشغال المحاضرين بالأحاديث الجانبية، ونفذت إلى الخارج كَسَهم يبحث عن هدف حيث الحياة والبشر، قررت أن أمشي بمحاذاة النيل؛ حيث شارع النيل هناك، وهو من أجمل الشوارع في العاصمة السودانية الخرطوم، ترى الأحبة والأحباب والأصحاب تزينه بسماتهم وأصواتهم ولهجاتهم المحلية.

شوارع السودان كشوارع مصر تماماً مليئة بالحفر والمطبات غير الجيدة، صراحة كنت أشتاق إلى هذه الحفر، وذلك الصعود والهبوط، والمفاجآت التي قد تؤدي إلى تمزقات وإصابات تشعر بها حين تخلد إلى النوم بخلاف البلاد التي أتينا منها؛ حيث كل شيء مرتب، وكل شيء مستو.

ظللت أمشي وأملأ عيني من أجواء الأماكن وعبقها، تمشي وأنت تسمع أصوات المحاضرات في المساجد، وتلك الأحاديث العذبة التي تشعرك أنك مؤمن بعبق السماحة الرحبة والطيبة.

تشعر أن الأشجار العتيقة المزروعة على جانبي الطريق تقول لك كلاماً غير مسموع، حتى لاح لي النيل من قريب، فقررت أن أراه وألمس مياهه يملأني الحنين له، أريد أن أرى عيونه، وأرى تدفقه نحو بلدي في حركة لم تتوقف منذ بُعث هذا النهر إلى الوجود والحياة.

اقتربت حتى وجدت كافتيريا صغيرة بها 5 طاولات بالضبط وعلى الجانب تقف بنت سمراء بشوشة ويقف بجوارها رجل كهل انحنى ظهره من الزمن، طالعني بعينيه الضعيفتين، وسلّم عليّ بحرارة وكأنه يعرفني منذ زمن، وها أنا أعود لأجدد الأشواق والوصل معه، وبادرني بقول: "أهلاً داير شنو، كيفك يا رب تكون بخير؟، أنت فين لماذا لم تأتني؟"، قلت له معرفاً بنفسي: أنا عمر، فقال لي مباشرة: وأنا ابني الكبير اسمه عمر، في ود وصفاء وفطرة كالطبيعة التي أعيشها الآن معه.

في هذه اللحظات الزمنية الجميلة في بداية الأمر اختلط عليّ الأمر، فمن الممكن أنني رأيته من قبل من حرارة استقباله، فاستغللتها فرصة، وطلبت منه فنجان قهوة سكر زيادة، وطاولة قريبة من النيل؛ ليكون اللقاء بيني وبين النيل، وبالمناسبة الكافيتريات ليست كما عندنا في مصر تحجز فيها بين النيل والجالس، بل معظم الكافيتريات في السودان مباشرة على النيل، حتى إنك تشعر أن هنالك شيئاً سيخرج لك من بين هذه المياه والأعشاب، ولكن كم كانت المياه هادئة، وكأنها تقول لي: هل تريد شيئاً فإني ذاهبة لمصر.

دقائق وجاء الرجل الكهل الحاج "محمد أبو عمر"، طلبت منه أن يجلس قليلاً بجانبي ليقول لي كيف كانت السودان وكيف أصبحت؟ شعرت بتنهيدة قوية خرجت من صدره، وبدأ سيل الكلام الجميل يخرج، وعلى جنباته أنين الوجع من عينين أرهقهما الكد والنظر في الحياة المتقلبة التي مرّت أمامه.

الغريب في السودان أنك حين تقول لأحد عندك قهوة؟ يقول: نعم، وحين يأتي بها لا تجدها قهوة بالمنطق المتعارف عليه عندي، ولكنها كما هي معروفة قهوة أميركي ولم أشرب قهوة كما هي في عرفي إلا في صالة كبار الزوار في مطار الخرطوم، فقط ممكن لأني لم أسأل جيداً أو لم أذهب إلى أماكن كثيرة.

المهم سألته عن مصر كيف يراها اليوم هل هي مصر التي عرفها وأحبها؟ فقال لي: مصر، أنت عارف هذا التراب الذي أمامك مصر هذه الحبيبات وأكثر، مصر دي نكحل بيها عيوننا، يا بني أنا مريض في عيني منذ زمن، واحدة انتهى أمرها وبقي لدي واحدة، سأحاول أن أعالجها لتبقى حتى أستطيع السفر إلى مصر ورؤيتها قبل أن أموت، وقال لي: يا أخي الله يرحم هذا الزول اللي ما في زيه؟ قلت له: من؟ قال عبد الناصر، يا أخي ما في زيه، رحم الله أيام خطاباته، والله كنا نبكي هنا في الخرطوم.

فقلت له: ولكن لم تنفصل مصر عن السودان إلا هذه الأيام، فقال لي: ولو برضو هذا الرجل لن يأتي مثله، فقلت له: طيب والسادات، فقال: هذا داهية وعرف العالم جيداً ولكن ما زي الزول عبد الناصر، ثم قلت له: وحسني، فقال: هذا الزول اللي حواليه ضيعوه وسمع كلامهم، فقلت له: والدكتور مرسي يا زول كيف تراه وتجربته؟ فقال: ما أعرف، ولكن لعله خير، ثم عرجت إلى السودان ورأيه في النميري، فقال: كان زول شديد اللي ما يشتغل داير يمشي ويأتي زول تاني.

وحين سألته عن واقع اليوم، فقال: الحكومة أطلقت الحرية للمواطن، ولم يعد السودان كما كان، ثم قال لي كلمة شعرت أنه يقولها من قلبه الموجوع جداً، قال لي: مصر لن تسقط، أعرف جيداً مهما حدث فيها مصر دي عيوننا، بدأت الزبائن تنادي عليه، وهو يقول حاضر بضيق.

شربت رشفات القهوة المتبقية في فنجاني وقمت مودعه قائلاً له: إن شاء الله سأعود لك قريباً، ولكن لا أعرف متى بالضبط، وكان بودي أن أساعدك في شفاء عينيك لترى مصر، ولكن أنا جاي يومين فقط واكتشفت أنني لم أحمل نقوداً معي، فكنت مشغولاً بالهرب من الفندق حتى أحظى بتلك الرحلة، فإذا به يقول لي: "يا أهلاً"، ولا يهمك يا زول لما ترجع مرة أخرى، تعجبت من كلامه يا تُرى هل سأعود مرة أخرى؟ وقفلت عائداً إلى الفندق، وأنا أقول: لماذا باعدوا بيننا وبين أحبتنا؟ لماذا انفصلت مصر عن السودان؟! لماذا؟!

إذا كنّا بهذا الحب فلماذا جاء الاستفتاء المشؤوم بنتيجة الانفصال؟! أريد إجابة لهذا السؤال الكبير، وإذا كانت هناك إجابة فهل من الممكن العودة ثانياً من طريق التقسيم الذي مضينا فيه بقوة، وما زلنا نمضي فيه حتى اليوم لكل الدول العربية؟

لا أعرف، ولكن كل ما أعرفه هو أن الحدود بين الشعبين على الخرائط فقط، وتبقى حدود القلب تأبى التقسيم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.