المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر صقر  Headshot

أيها العربي.. لماذا مراكز دراسات النزاعات والعمل الإنساني؟

تم النشر: تم التحديث:

"التعليم هو أن تشعل ناراً لا أن تملأ إناء"
مونتي

هذا ما قاله مونتي في وصف تلك الطبيعة التي يجب أن يخرج بها الشخص الباحث عن التعلم والمعرفة، ولكن هنالك علوم لم يعد من الرفاهية تعلّمها؟

نعم، فقد أصبح الأمر ضرورياً جداً وإلى أبعد الحدود، فالعلوم الإنسانية التي تهتم بالإنسان أو بصحته أو بعقله، لم تعد هي فقط التي يجب أن نتعلمها، ولكن أيضاً العلوم التي تنظِّم صراع الإنسان مع أخيه الإنسان على هذا الكوكب المليء بالصراعات والكوارث والحروب، والتي تنظم وليس التي تنهي؛ لأنه من المستحيل أن تنهي الصراع في الحياة.

ومن ثم، بات هذا الإنسان، الذي أنهكته ودمرته الحروب والصراعات وأتت على ما بناه في حضارته، يبحث دائماً عن صنّاع السلام، فكانت فكرة الإنسان الباحث عن السلام ولم تعد فكرة سقراطية؛ لأننا كما قلنا إن الحياة قائمة على فكرة البقاء، والبقاء يمتزج فيه عوامل الصراع والتنافس، ولكن مع بداية اختراع أدوات القتال التي بدأت من أجل حماية نفسه من الوحوش الضارية في الغابة حتى لا تفتك به، ثم تحولت بسبب كوامن الشر إلى أدوات ليبسط بها الإنسان قدرته وقوته على أخيه الإنسان وليقطع عليه ويحرمه من فرصته في حياة أفضل ليضمن لنفسه السيادة والسلطة.

إن الأرقام التي تعيشها البشرية اليوم تقول لنا في وضوح وبلاغة: "يجب عليك -أيها الإنسان العربي- أن تدرس علوم النزاعات والصراعات"؛ لتستطيع مجابهة تلك التحديات اللانهائية التي تواجهنا بقوة وتتطلب مواجهة حاسمة لضمان مستقبل أفضل بعد راهنيّة نعيشها تفتقد مقومات الاستقرار والسلام وتحمل بذور الفناء.

تخيَّل معي أنه يواجهنا اليوم في العالم العربي مشكلة وجود أكثر من مليوني طفل سوري يواجهون الآن خطر كونهم "الجيل الضائع"، ذلك الجيل الذي لو يَرِد في خيالات أكبر كتّاب الدراما السينمائية.

أطفال ستحولهم الأزمة -لو لم نتعامل معهم بمنتهى الجدية- إلى قنابل موقوتة شديدة الانفجار.
وليس هذا فقط؛ بل إن أكثرهم بات اليوم لا يؤمن بالخيارات السلمية وتلك المبادئ التي وضعها العالم ليسود السلام والعدل.

كل هؤلاء يتوجب عليَّ أن أحاول مع زملائي أن نقلل من مخاطر خروجهم عن إنسانيتهم التي لم تراعَ، وأن ننزع فتيل تحوّلهم إلى قنابل موقوتة تنفجر في وجوهنا جميعاً يوماً ما لأزمةٍ، يتوقع الكثير أن تطول إلى عقود وأزمنة طويلة.

كما أن مشاكل الصراع أو الصراع المركزي للعالم العربي، وهي قضية فلسطين التي ما زالت تطل برأسها على منطقتنا العربية، هذه الأزمة التي يجب أن يخرج منّا من يبحث عن حل لها. للأسف، نحن ننتظر العالم أن يحلّ لنا أزماتنا بطريقة ساعي البريد الذي يحمل الرسائل بين الطرفين دون أن نحرك نحن دفة الأمر نحو تحقيق ذلك السلام العادل.

وليس هذا فقط؛ بل يجب علينا أن نفتح عيوننا بأن ممارسة العمل الإنساني لا تكون فقط في وحل الأزمات، فأي مجتمع صحي هو المجتمع الذي يكثر فيه دور "القطاع الثالث"، وهو القطاع الذي يتعامل مع الفراغات التي تظهر من تراجع دور القطاع الحكومي المثقَل بالزيادات السكنية والخاص الذي يبحث عن هامش الربح الأكبر، لنفقد الدور الأهم ونعمل على ملء تلك المساحات بالعمل التطوعي والاجتماعي، والتي تؤدي في النهاية إلى مجال عام مستقر.

ولك أن تتخيل -أيها العربي- عدد الجمعيات الخيرية في مجتمع الشمال المتقدم لتعرف الفرق الكبير عنه في مجتمع الجنوب الذي ما زال يحاول النهوض رغم أهمية هذا القطاع الخيري والإنساني فيه.

كما تأتي أهمية العمل الإنساني كداعم قوي وأساسي لاستقرار المنطقة، من حيث الدور الكبير الذي تقوم به في تقليل الهوة بين الطبقات المجتمعية وفي إقامة وتجسير المساحات الكبيرة بين الأغنياء والفقراء، مما يقلل من فرص حدوث صراع الطبقات، التي تكون دائماً وقوداً للثورات وأيضاً المسبب الرئيسي عادةً لدوافع الإجرام في المجتمعات.

"إن أعظم شرف ممكن للمرء أن يحظى به الإنسان، هو شرف صُنْع السلام"، هذا هو ما قاله الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، وأعتقد أن هذا المفهوم هو ما يجب أن نبحث عن صناعته في المستقبل الذي من الممكن أن يتغير كثيراً لو فهمنا ما العمل الإنساني، وعرفنا قيمته وضروريته لواقعنا العربي المتشظّي ولمستقبل أولادنا في قادم الأيام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.