المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر صقر  Headshot

كيف تحول نقاش حاد إلى حوارٍ هادئ؟

تم النشر: تم التحديث:

لا يستطيع أحد مهما كان، حتى وإن كان فريد عصره ووحيد دهره، أن يعيش في هذه الحياة وحده، فبالتواصل نعيش، وبالحوار نبقى جميعاً على قيد الإنسانية، وبالتالي على قيد الحياة، كما أن الحوار ليس فقط تلك الكلمات التي تقال بين اثنين أو أكثر للوصول إلى قاعدة مشتركة أو الوقوف على فكر كل منهما، ولكنه في حقيقة الأمر ديمومة من نبض البقاء الذي يؤكد أن الحياة تتسع بعداً للأفكار، بعيداً عن تلك الانعزالية الفردية والرؤية الواحدة القاصرة، التي وإن كانت على صواب في بعض الوقت، إلا أنها ليست كذلك كل الوقت، ويبقى فيها الفرد وحيداً محاصراً، وإن كان مسكوناً بآلاف الأفكار والرؤى العبقرية.

وليس غريباً أن يقول الله -سبحانه وتعالى- في القرآن الكريم: "ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، وكأنه يقول لنا إن الفكرة الصحيحة هي التي تولد من رحم الحوار الناضج المليء بالمحبة والاحترام.


والحوار الصحيح يجب أن يكون باعثاً على التقدم، آخذاً بيد كلا الطرفين إلى جادة الصواب؛ لأنك حين تحاور فأنت على درجة عالية جداً من الرقي والتحضر، وليس ذلك الذي "يجعجع بلا طحين"؛ لهذا نجد الإمام الشافعي يقول: "لا يهمني أن أنتصر في الحوار، ولكن سعادتي تكون أكبر حين يخرج الحق على لسان من أجادله وأحاوره".

وأشار إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي سلامة الصدر لتقبُّل الحق أياً كان من نطق به؛ لأنه لا يستطيع أحد مهما كان أن يصادر الحقيقة لوحده، ولا ننسَ كلمته الخالدة أيضاً التي خرجت نقية من ينبوع النبوة الصافي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وكثيراً من المواقف التي عبّر عنها تاريخ الإسلام الحضاري؛ لتقول في بلاغة منجزة مفردات الحوار الصحيح وآدابه التي جعلت الإسلام خلال عقود قليلة في مقدمة الأمم الفاعلة في تاريخ الإنسانية.

كما أن مقياس تقدم أي أمة من الأمم هو بمدى مساحة الحوار التي بين أبنائها، وكيف يتحاورون فيما بينهم، وطريقة معالجتهم لقضايا الخلاف قبل قضايا الاتفاق، والذي يقول في اختصار شديد مستوى التقدم والتحضر لديهم، وخصوصاً طريقة معالجتهم للقضايا الإشكالية التي بينهم؛ لأنها المنطلق في التعامل، لأن في الخلاف يظهر ميراث ووزن الشخص الحقيقي تجاه الآخرين، بل وكما يقول علماء التربية "مقياس تربيته وعمق ثقافته".

لهذا ليس غريباً أيضاً سيدي القارئ أن نرى العالم اليوم يموج في الصراعات ويغرق في الحروب والأزمات، بسبب ضيق أفق قادته، وضياع مفردات الحوار فيما بينهم، مما أشعل العالم، فأصبح وكأنه فوق فوهة بركان سينفجر قريباً لا محالة، مهدداً الجميع بالفناء والعدمية، لهذا فما أحوجنا الآن إلى قادة حوار يبثون الحكمة والنور في أرجائه التي دخلتها خلال الفترة السابقة عتمة الإقصائية والأحادية ورفض الآخر أو حتى التحاور معه من باب معرفة الشيء.

يا سادة.. نحن بحاجة حقيقية إلى قادة يبنون جسور التواصل بين الفكر والأدب، والثقافة والأديان، آخذين بأيدي العالم المتشظي والمتصارع نحو السلام، الذي لن يتحقق سوى بالحوار أولاً وأخيراً؛ لهذا كان حقاً أن يكون الحوار في البدء بعد الخليقة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.