المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر صقر  Headshot

درجات الرأفة !

تم النشر: تم التحديث:

لقد سرقوا عمرنا يا سادة، وارتكبوا فينا "الجريمة النكراء"! لا يذهب ذهنك -يا صديقي- إلى بعيد؛ أنا أقصد أنهم ضحكوا علينا وأخطأوا في تعليمنا فقط. ولكن، قد يقول شخص: وكيف عرفت هذا؟ وهل اكتشفت هذا الآن يا أيها المغفل؟!

ببساطة، يا صاح، إنني عرفت هذا حين شاهدت سلسلة "علّم بثقة" -وأيضاً، ليس عيباً أن تأتي متأخراً- والتي بثتها بالمناسبة منصة "إدراك"، تلك المنصة الرائعة.

وقد قدّم هذه السلسلة أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين عبر كلٍ من صابرين السلمان ورائد الدحلة وجمانة جبر، قدّموا خلالها كشفاً بالنسبة لي كاكتشاف أميركا؛ لأنهم وضعوا يدي على جرح كبير وتساؤل باقٍ معي دوماً في حافظة عقلي.

وسأقولها بالعامية، وليسامحني أهل اللغة: "إيه الخيبة اللي إحنا فيها دي؟!"؛ مناهج ومعلمون وميزانية ورغم هذا بقي المنتج، الذي يخرج، مشوَّهاً وفي أحيان كثيرة "غبياً" لا يستطيع أن يقدم شيئاً لعصره ولا لبلده؛ أهو العيب فينا أم فيهم؟

بدأت السلسلة، في البداية، بشرح المدارس التعليمية أو التوجهات الفكرية للتعليم والتعلم والتي قسّمتها صابرين إلى المدرسة السلوكية التي حصرت دور التلميذ في دور التابع للأستاذ والمتلقي السلبي للمعلومة، والمدرسة البنائية التي جاءت للتركيز على زيادة دور الطالب أمام المعلم.

وقد جاءت هذه الرؤية بعد اكتشاف الخطأ الكبير الذي نبع عن طريقة التعليم الخاطئة التي بقيت للأسف "عقيدة" عند كثير من المعلمين في عالمنا العربي إلى يومنا هذا.

وللأسف، أنا أيضاً كانت قناعاتي طوال الفترة الماضية بالعقلية نفسها ولا يلومني أحد؛ فلست متخصصاً، ولكن كنت أرى أن المعلم "يُستمع إليه" فقط ولا يناقَش في المعلومة التي يقدمها لك، إلى أن قالت لي صابرين عبر فقرتها الرائعة: "إنك يجب أن تتفاعل مع المعلومة وتشارك في صنعها". بالتأكيد، هنا سيعتقد كثير أنني قابلتها وجهاً لوجه وهذا يعني أنك لم تقرأ بداية المقال جيداً. وهذه الجملة عفواً ذكرتها فقط للتنبيه إلى أهمية القراءة الكاملة للمقال.

نعود إلى الموضوع. للأسف -يا سادة- بقينا نحن في عالمنا العربي نضع الكتاب المدرسي والمعلم في جانب وتفاعلية الطالب في زاوية بعيدة حتى أنني لا أنسى ما قاله لي أستاذ الشريعة والقانون في الكلية حين ملأت ورقة الإجابة بقراءاتي عن الشريعة والآراء الفقهية التي اعتقدت أنه بسببها سيمنحني درجة الدكتوراه الفخرية لعمق قراءاتي، ولكن حدثت المفاجأة، حيث قال لي جملة لا أستطيع أن أنساها بعد أن نجحت بـ"العافية" في مادته -أو كما يقول المصريون "على الحُرُكْروك"؛ أي على الحافة: "لقد عطفنا عليك ومنحناك درجتيْ رأفة لتنجح!".

لا أعلم لماذا تذكرت هنا مشهداً من مسلسل "بوابة الحلوني" حين عطف مولانا الخديوي على حمزة المصري بدرجة الباكوية تقديراً لشجاعته.

المهم، نعود إلى السلسلة الرائعة.. ثم انتقلوا بعد ذلك، وخاصة في فقرة رائد الدحلة التي تحدث فيها عن مفهوم عميق جداً؛ وهو جلسة الاعتدال ولحظة الانتظار. ومعناهما أن الطالب يجب أن يجلس بشكل صحيح حتى يستقبل المعلومة بطريقة صحيحة.

ويجلس "صح" هذه، تضع فيها خطوطاً على المدرسة والكراسي والطاولات، وبالتأكيد خناقات مع الوزارة من أجل زيادة الميزانية وهلّم جرا!

ولحظة الانتظار؛ وهي الكشف، ومعناها أنك تستجلب المشاركة الطلابية بطريقة ذكية تدفعهم ليتشاركوا معك في الإجابة، لا أن تملك الحقيقة لتمنحهم إياها هكذا على طبق من ذهب، عليك أن تصبر عليهم حتى يفكروا في الإجابة.

وجاءت جمانة جبر لتضيف إلى السلسلة معنىً جميلاً؛ وهو التكليف المباشر، ويُقصد به الانتقال من خيار الطرح العام إلى التوجه للطلاب غير الراغبين بعينهم في المشاركة لضمهم إلى الحلقات النقاشية التي ستؤدي في النهاية إلى المواطن المشارك. وهذه هي الخلاصة، نعم نحن العرب نبدأ دائماً بالطريقة الخطأ، نريد أن نمارس التشارك من مرحلة ما بعد الثلاثين. نريد أن نبقى هكذا فصلاً عربياً غير متفاعل ونعيش بدرجات الرأفة.

ليس البداية -يا سادة- من الفصل المدرسي، فعلتها الهند من هناك ونحن ننتظر المعلم الفاهم الذي ينقل التلميذ الخامل إلى ذلك المتوهج المشارك، ليس فقط في صناعة فصله ولكن في صناعة وطنه.

متى يحدث هذا؟ الله أعلم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.