المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر صقر  Headshot

يا كاتب التاريخ اركض !

تم النشر: تم التحديث:

كان مقال الصديق خالد محمود صادماً لي، الذي نشر في جريدة العرب القطرية، يوم الاثنين الماضي، وجعلني أتساءل: كيف لطموح أمة أن يتحول فجأة لرماد؟ كيف لسعي أمة نحو الخلاص أن ينقلب إلى محاولة بائسة محكوم عليها بالفشل؟ هذه المقالة التي عكست إيماناً عميقاً من صاحبها بقضية ما زالت لم تتحقق وبقيت مع المستحيلات الثلاثة؛ لتتحول إلى مستحيل رابع أضيف إليها مستحيل خامس، بأن طلب مني محرر صحيفة العرب الذي تكفل بالنشر أن أختزل الرد، الذي لن يكون أكاديمياً ولن يكون أيضاً بردود متيافيزيقية لا صلة لها بالواقع، لإيماني بأن الوحدة العربية يا سيدي هو ذلك الحلم الذي راود كل عربي من لدن القدم وإلى اليوم، ولكن عليك أولاً يا كاتب التاريخ الذي أمرك خالد بالتمهل أن تركض ولا تتمهل أبداً حتى لا تسقط في عدمية الراهن المتراجع، بل اركض لتعبر هذه الهزائم والانكسارات التي كتبت خطأ في سجل البطولات، اركض بعيداً عن تلك الأمجاد الفردية التي حذّر منها ابن خلدون في مقدمته التي لا يقرأها العربي حتى لا يصدم ويقع في محالات الراهن العربي الذي دفع كاتباً ينبض قلمه بالعروبة إلى هذا اليأس، فمن أمة كانت راياتها خفاقة إلى أمة أصبحت جثة هامدة تنتظر رصاصة الرحمة.

ولكني وأنا أقرأ المقال قفز إلى ذهني مقولة أينشتاين حول أن "استخدام نفس الأسلوب سيؤدي إلى نفس النتائج"، نحن نستخدم ذات الأساليب منذ فجر التاريخ ونتوقع نتائج مختلفة كيف إذن؟! ولكن دعني في البداية أستعير حالة تاريخية مقاربة بل وأشد تعقيداً وهي نجاح الأوربيين في تحقيق الحلم، في حين فشلنا نحن في الوقوف حتى بجوار الحلم، فحين بدأت الوحدة الأوروبية كانت على يد الاقتصاديين الذين كانوا تحت إمرة "جان مونييه" الذي مهّد الاتحاد لقارة كانت أبيَّة على الوحدة، وليس فيها ما درسناه في كتب التاريخ والجغرافيا التي قالت لنا العرب أقرب إلى الوحدة من الانفصال، فما أحوجنا اليوم حقيقة لجان مونييه بنسخته العربية بعمق دراسته وجدية خطواته العلمية المدروسة، وباعتقادي هذا الفرق بين الرجل الأوروبي والرجل العربي وبالتأكيد بمشاهدتك لمباريات كرة القدم، ستعرف الفرق بين اختلاف الطريقتين في اللعب؛ الأول يلعب بعقله، والثاني بعاطفته.

وحين ننظر إلى الوحدة العربية تاريخياً، فإننا نراها قد وقعت أسيرة بين رطانة الألفاظ وعذوبتها ورمح الزعيم وسيفه وسارت بين هذا وذاك مسيرة من المعاناة عزفها الشعب العربي بإخلاص لتحقيق شيء تحت شمس الوجود حتى لا يخرج من المولد بلا حمص، كما يقول أهل مصر، ولكن للأسف فإما أن ترزق الأمة العربية بطلاً تعيش معه الأساطير وينسج الشعب حوله خوارق لا نستيقظ منها إلا على نكسة أو بين شعب يطنطن بشعارات قوية تهز الجبال فقط، ولا تغير شيئاً في الواقع؛ ليبقى أثيرها الجميل، وللعجب أنهما لم يلتقيا أبداً، وباعتقادي أنهم لو التقيا لحدثت المعجزة.

تذكرت مع المقال وأنا أقرأه حين كنّا نقرأ في كتب التاريخ والجغرافيا ونحن طلبة أن عوامل الوحدة بين العرب أكثر من محفزات الانقسام، وأن صلاح الدين حين وحّد الأمة انتصر على الأعداء وهزمهم، وتعلمنا أيضاً قصة العصا والجد وكيف أن عصا واحدة بمفردها تكسرت، وأن مجموعها كان أبياً على الكسر.

وكثير من الدروس التي نسمعها دون وجود لحظة الاستفاقة والوعي الجماهيري التي نرجوها، والتي عادت تأتي متأخرة كسيارة الإسعاف، ولكن رغم هذا لن نستسلم ولن أيأس ولن أترك الأحلام تغادرنا سيبقى حلم جيلي ومن سبقنا أن نمر بقطار يربط كل الأمة العربية من المحيط للخليج، ولن نتنازل وسيبقى الأمل والعمل مقروناً بإيمان أن هذه الأمة محروسة بعين الله، فقط أن تعرف الطريق ولا نحتاج فقط سوى إلى التقاء القيادة مع الشعب لتحقيق الحلم الذي أراه خالداً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.