المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر صقر  Headshot

يوميات غائب في الأرياف (2-7)

تم النشر: تم التحديث:

لكل رحلة تفاصيل وهذه التفاصيل هي ما يبحث عنها الجميع دائما فالجميع يعلم ما حدث في أكتوبر وذلك العبور ولكن تبقى تفاصيل ما حدث في قاعة القادة الكبار وكيف خططوا وتلك الهوامش التي كانوا يسجلون عليها التفاصيل التي أحدثت الفرق وأيضا الجميع يعرف قصص الحب الشهيرة ولكن يبقى تفاصيل ما دار بين الحبيبين من أسرار وخفايا هو مطلب كل قارىء وخاصة ذلك العربي وما يمتلكه من شغف قوي هو ما يجعله دائما ما يبحث عن الجزئيات ليكوّن منها الحكاية ولو سمع همسها في الظلام أوما وراء الرؤية

تأخرت الطائرة وكان يجب أن نبحث عمّا يسلي جلستنا وخاصة أن الرحلة طويلة جدا ، دار أحاديث وكلام وهمسات ولكنها كانت شجون ووجع الغربة فمنذ الذي يرتاح في الغربة ولو كانت جميلة وممتعة ، سيدي القارىء لا تصدق تلك الرفاهية فالغربة كربة، حتى الطيور يتعبها الإبتعاد عن أعشاشها وأوكارها فما بلك بالإنسان ذلك الكائن المكوّن من لحم ودم ومشاعر.

جلس بجواري شاب مصري عائد إلى مصر نهائي بعد أن تشاجر مع الغربة ومصري آخر صاحب عمل خاص به ومن الواضح أنه أصبح خبيرا بالغربة بعكس الأول ومصري ثالث في عمل مؤقت ورابع عاد ولم يجد عملا فقفل عائدا من حيث أتى وبات يغني مع نجاة "ما أحلى الرجوع إليه" أصبح كل هؤلاء يربطهم طريق واحد هو طريق العودة ورحلة الوطن والذكريات التي يجب أن يجلسوا فيها بجوار بعضهم البعض فلا يوجد من يختار وطنه فهو قدر مكتوب ومرسوم على جبينك لا فرار منه

جاء وقت الصلاة ووجدت رجلا يرتدي زي شيخ قروي كالذي كان يصلي بنا في القرية عندما كنت من سكان الجنة تبدوا عليه ملامح البساطة ولكن قليلا حتى وجدته يخفي داخل ثيابه حكمة وفطنة وعلما وفقها وحين تعرفت عليه وجدته يقول بفخر ولؤم معا كمن يقطع خيوط الشك بيقينيه راسخة انا مهندس متخصص في سيارات الإطفاء وهو تخصص دقيق جدا ولا يوجد منه كثير وحين علم أني صحفي طرح علي مبادرة أن أجري معه حوارا عن مهنته التي يسافر من أجلها كثيرا ليعلّم الجميع فنونها ودوربها التي خبرها عبر السنوات ، فعلا المصري دائما يستدرجك ببساطته ويشعرك أنه "غلبان" ولكنه في حقيقة الأمر يخفي دائما لك في جعبته المفاجآت والدروس وليس هذا فقط ما حدث بل ووجدته يفطن إلى بلدتي في مصر دون أن أقول له وكأنه يقرأ بياناتي من جوازي الذي كان في حقيبتي التي احتضنتها خوفا من أن تضيع مني فنحن في دنيا الورق، فعجبا لأمر المصري أينما كان واينما رحل ولكن ما أثار عجبي هو تأخر الرحلة فالطائرة مصرية وهذا طبيعي دائما معنا

والأكثر عجبا هو استياء المصريين مما حدث فهم يستاؤون مما يفعله معظمهم متناسين أنهم يعانون من نفس الداء والأكثر عجبا هو أن قائد الطائرة الذي اعتذر في بداية كلمته عن التأخير الذي كان بسبب عطل في محرك الطائرة والذي كان سيتسبب في تأجيل الرحلة نهائيا فإلتقط الجميع أنفاسه وغرقوا في مقاعدهم خوفا من المصير المجهول الذي ينتظرهم في هذه الرحلة ولكن بذكاء مصري فطري أصلح الكابتن ما أفسده في بداية حديثه قائلا بلهجة مصرية فهلوية " ولكن أحنا قمنا بتغيير الطائرة وليس هذا فقط والطاقم أيضا، رحلة ممتعة لكم" لا أعرف ما سبب تغيير الطاقم! ولكنه بالتأكيد احتياط مصري زيادة عن اللزوم وحواطه لأي مشاغب يحاول أن يحور الحديث ثم انطلقت الطائرة شاقه السماء وراجعه على بلدي مع أنغام مصرية أصيلة كانت ترافق أناملي وأنا أضع النقطة النهائية للمقال الثاني

" ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين وعشان أنول كل الرضا يوماتي اروحلو مرتين " فها أنا عائد بس مش من منطقة السيدة لسيدنا الحسين وبعد أكثر من عامين وربنا يستر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.