المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نورس يكن Headshot

عن الحب "1"

تم النشر: تم التحديث:

- أفيون الحياة، يُدعى الحب، هذا الإحساس هو إلزام فطري لدى الإنسان ناتج عن رغبته بالتعارف وتلبية حاجاته العاطفية والجنسية والتكاثر، ويكتسي هذا الإحساس صفةً تاريخيةً؛ حيث حمل التاريخ لنا قصص وهمومَ العشاق في الروايات والشعر، وبتنا نكرّسهم كرموز، ونصفهم أحلى الأوصاف، ونعتبرهم مثلاً أعلى في العاطفة، كروميو وجولييت، أو عنتر وعبلة، مع العلم أن عشاقاً كثراً على مدار الدورة الحياتية للبشر بذلوا من الحب ما يفوق أصحاب الشهرة في التاريخ، ولم يذكرهم أحد، ومنهم قد أكون أنا أو أنتَ أو أنتِ.

- ما هو الحب؟ سؤال يطرح مراراً وتكراراً في الجلسات وبين الأصدقاء، وحتى في لحظات التأمل، ودائماً تأتي الإجابات معتمدة على التاريخ، أو الأفكار الاجتماعية المفصلة على مقاس عصر معين، ومؤخراً باتت اللهجة السائدة للحب لهجةً تافهةً تضعه في خانة مصدر الأحزان، أو مدمر القلوب، ويأتي ذلك نتاجاً طبيعياً لوضع العشاق في قالب كل الرجال، مثل بعض "خونة" أو قالب كل النسوان مثل بعض "نكديات".

- ما هو الحب؟ سؤال في الحقيقة جوابه بسيط، هو حاجتك للتلاقي مع آخر يملأ حياتك، ويؤمن لك احتياجاتك، وهذا الحب ليس صورة واحدة منذ الولادة، إنما يتغير وتتغير طبيعته وأشكاله مع الزمن نتيجة تغيير المتطلبات الخاصة بالإنسان، وفي الواقع سؤال "ما هو الحب؟" بعد مرور كل هذه القرون على وجود البشر على وجه الأرض، ليس سؤالاً مهماً، وليس من الأهمية بمكان الإجابة عليه، لكن السؤال الملحّ في هذه المرحلة: ما هي مشكلة الحب؟

- إذا ما أردنا استطلاع مشاكل الحب نجد أنه يعيش مشاكل متشابهة ومتكررة رغم اختلاف المجتمعات والعلاقات وشخصيات البشر، ونجد أن مشاكله الرئيسية في مجتمع كالمجتمع العربي تتركز في نقاط، أهمها مشكلة التفكير، ثم الوعي والإدراك، ثم الأهل والمجتمع، ثم النمطية والقوالب الجاهزة، القناعة والرضا، وأخيراً القرار والمواجهة، وهنا سأبدأ الحديث عن المشكلة الأولى معطياً لنفسي الحق بأن "أتفلسف" بالحب استناداً على تجارب عاطفية عشتها بنفسي أو عايشتها مع أصدقائي، أو سمعت عنها في مشوار الحياة.

- مشكلة التفكير أولى مشاكل الحب وأعقدها وهي أساس المشاكل اللاحقة لها، ما هي صورة الحب لدينا؟ كيف نفكر بالحب؟ وكيف نصنفه؟ وما هي طموحاتنا وأحلامنا حول شريك الحياة؟

نحن نعيش في مجتمع يصنف الحب على أنه فعل حرام، أو عيب على الأقل، وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية عندما يبدأ الإنسان في سن المراهقة يشعر أن نفسه تدفعه لممارسة العيب والحرام، ما يترك عنده خللاً في العاطفة، وتعيش الفتيات خصوصاً هذا الخلل؛ لأن الرجل يملك حق فعل العيب أصولاً.

- أيضا من صور الحب في المجتمع التي تحاول تسويقها الطبقة المنفتحة "نسبياً" في المجتمع هي صورة التضحية والعذرية والبراءة، وهذه الصور مأخوذة من التاريخ العاطفي العربي الذي عمل رجال الدين على تهذيبه قدر الإمكان مروجين لقصص حب عذرية كتلك التي جمعت كُليب والجليلة أو عنتر وعبلة، ومحرضين على إهمال أخرى إباحية، كالتي جمعت ابن زيدون بولّادة بنت المستكفي، وللأمانة فإن الجانبين العذري والإباحي هما الحب ذاته، لا يصح أحدهما دون الآخر.


- صورة أو تصنيف آخر للحب في بلادنا تأتي من الروايات والأفلام التي تغذي عقول المراهقين والعشاق بقصص وبطولات غير منطقية عن الحب، ولا يمكن أن تتناسب مع الظرف الاجتماعي للعشاق؛ ليبني العاشق طموحات وأحلاماً لا أساس لها من الصحة، ويضع نفسه في دائرة الوهم التي تجعله يصطدم بأصغر عقبة قد تواجههُ وينهار.

- كل الصور السابقة تعكس مشكلة التفكير الذي يعيشه الحب في مجتمعنا، فنحن في القرن الـ21 نحب ببطولات الجاهلية وعذرية صدر الإسلام، متجاهلين أكثر حقب الازدهار العاطفي في تاريخنا والتي شهدتها دولة الأندلس، ومهملين عن عمد معطيات وظروف العصر الذي نعيش فيه.

- في العام 2017 وما يتبعه وحتى في كثير أعوام سبقته لم يعد يمكن النظر للحب من نفس الزاوية، البشرية اليوم تمتلك أدوات أفضل لتتكيف مع التفكير العاطفي الجديد، الحب رغبة حقيقية بالاندماج مع شخص آخر تنبع عن قرار له أصول في الشخصية ودوافع نفسية عديدة، يجب أن نقرأ عنها في المراجع المختصة ونحدد إذا ما كنا نستطيع تغيير نظرتنا النمطية للحب، للنظر له مثلاً على أنه فضيلة مادية، تخاطر روحي، أو مصلحة خالية من الاستغلال والوصولية؛ لنتخلص من فكرة الحب الأول والوحيد وننفتح نحو التجارب؛ كي نتمكن من حسم الخيار الصحيح لشريك الحياة، الحب الحقيقي ليس الحب الأول، أو بالأصح ليس التجربة الأولى، التضحية ليست أن تقوم بأكثر من طاقتك لأجل الآخر، الحب الحقيقي والأول هو ذاك الذي يسحبك نحوه لتعيش وتستقر وتتقبل شريكك كما هو دون مطالب، أو تطلبات، والتضحية هي الزهد في كنف الحبيب، فليزهد بك وتزهد به.

(يُتبع)..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.