المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى الضايع  Headshot

جواز سفر وتأشيرة من الله "2"

تم النشر: تم التحديث:

" لقراءة الجزء الأول من هذه التدوينة اضغط هنا"

ويستمرُّ الصراع بيني وبين نفسي..
بيني وبين واقعي.. لأجلِ البقاء.

هذه المرّة كان معنى البقاء ليس بالرّوح والجسد فقط، وإنّما البقاء الفعلي على هذه الأرض رغم كل ما يجري من ظروف الحرب التي جعلت من الناس أشبه بالوحوش.

القوي يلتهم الضعيف وهكذا يستمرُّ البقاء.
ربما ليس دقيقاً أن أنسب تلك الهمجية في البقاء لظروف الحرب وحسب، وإنّما هي همجية متأصّلة منذ القدم..

القوي يلتهم الضعيف!
إن أردَتَ الاستمرار والبقاء عليك أن تكون قوياً "وحشاً" لقد استعنت بكلمة وحش لإظهار المعنى الدقيق لكلمة قوي.. فالقوة ليست عيباً بل هي طلب لكلِّ مؤمن، فمن منّا لم يحفظ حديث نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام في ذلك: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ".
إذاً فالقوي "الوَحش" يختلف عن القوي المؤمن!

أن تكون قوياً بالعلم، الأخلاق، المال، الجاه والبدن وأنت مؤمن فإنّك بذلك تملك كنز علاء الدين، فقط عليك بالخارطة (الأخلاق) والمفتاح (الإيمان). وإن كنت قوياً (وحشاً) لا مؤمناً فإنّك تجري إلى الهاوية، حتى وإن كان طريقك سالكاً خالياً فمصيرك الهاوية، أمّا عن كنزك فلا يحتاج المفتاح فهو مجرد سراب في نهاية الطريق..
فإن أردت الاستمرار عليك الاختيار..

جاءتني مكالمة من أحدهم يطلب مني العمل بإحدى المشافي كمخبرية وذلك لخبرتي المتواضعة في العمل المخبري، أنهيت المكالمة وقلبي يخفق فرحاً ويركض ليسابق عقارب الساعة حتى يوم غد موعد العمل..
كانت السعادة نتيجة لاشتياقي للعمل المخبري، ونتيجة لحاجتي النفسية قبل المادية آنذاك، خاصةً أن راتب تلك الوظيفة بسيط جداً.. فلم أكن أكترث للجانب المادي قط..

ذهبت في اليوم التالي للموعد دخلت المخبر.. تعرفت الأجهزة والمكان ثم الأشخاص بقرابة الساعتين اكتشفت أن أجواء المشفى غير مناسبة لي على الأقل، ولكنّي قررت أن أتغاضى عمّا حولي وأعتكف في مخبري عند العمل.. أنهيت الجولة ولم يبقَ لي سوى مكتب المدير لأخبره بأنني جاهزة للعمل..
أمّا المدير فقد كان قوياً ما يكفي ليكلّمني وكأنني في زمن العبيد وأنا "عبدة عنده" لمجرّد أنني موظفة بمشفى هو مديرها لا أكثر..
فلم يكن منّي إلّا أن اعتذرت عن العمل حتى قبل أن أبدأ به..

لا أخفي أنني شعرت بالنصر رغم خيبتي وهزيمتي في هذا اليوم.. أغلب من صادفت حينها لامني على تصرّفي حتى أنني لمت نفسي أيضاً وسألتها إن كنت على صواب بذلك أم لا!
غالباً ما تؤثّر فطرتي على تصرفاتي، وغالباً ما أجدني على حق رغم أنني أتسرّع بها على الدوام..
وفي تلك الأثناء بدأت أحلّل الموقف كما هي العادة:
أنا على هذا الكوكب لأبني بغض النظر إن كنت أملك المواد الأولية للبناء أم لا، أو بغض النظر عن وجود الأرضية المناسبة لهذا البناء أم لا..
عليّ أن أسعى لامتلاك المواد والبحث عن الأرض المناسبة لذلك..
وكما هي العادة عليّ مواجهة نفسي كما الظروف والأشخاص لأكون بنّاءة جيدة قادرة على البناء على أرض غير صالحة ورغم عدم توافر المواد الأولية..

إنّه تحدّي المستحيل ربما!
إنه تحدّي البقاء..
إن أردْتُ امتلاك الأدوات عليَّ القضاء على كل من يستحوذ عليها أمثال مدير المشفى، وكذلك الأرض الصالحة للبناء لا يمكن أن أجدها بوجود أشخاص أمثاله يجعلونها قذرة..
إذاً يجب تدمير هؤلاء الأشخاص بكلِّ ما يملكون من أفكار.. لكن كيف ذلك؟
هذا مستحيل.. لا يمكن أن تعيد بناء شخص ما أو ربّما تغييره بشكلٍ كلّي إن لم يكن هو يريد ذلك..
فهذا مستحيل كما عملية البناء.. فلا سبيل للبناء إلّا بالهرب إلى أرضٍ أخرى وإحداثيات مختلفة..
وهل الأرض الأخرى ستخلو من أمثال هؤلاء "المدمِّرون"؟

أذكر أنّ أحد الأصدقاء خارج البلاد قال لي يوماً بسخرية: "تعالي شوفي هون تدني المستوى الأخلاقي في التعاملات العملية والحياتية بشكل عام"، ولم يعلم أن سخريته تلك قد فتحت لي باباً لأفكار جديدة..
فلا سبيل لتغيير الآخرين..
السبيل للبناء هو تغييرك أنت..
تغييرك نفسك..
فمن منّا لا يحفظ هذه الآية غيباً {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (سورة الرعد)..
والسبيل لتغيير نفسك هو استمراريتك على تلك الأرض.. صراعك معهم لأجل البقاء لا لأجل الهرب والاختباء، وربما الخلوة بحجة تزكية النفس وتغييرها وأنت بعيد عن تلك الأرض، بعيد عن مصارعتك للبقاء عليها بكونك معمّراً لا مدمِّراً.

كل ما يمكن فعله أمام أمثال ذلك المدير وغيره هو الصبر على أذاه.. أمّا الصبر فلا يعني أبداً الاستسلام له وربما العزلة أو الهرب بحجّة أنّك الأضعف، وإنما الصبر هو ببقائك معه على ذات الأرض وعدم تركه متفرّداً بها، إنّها لك كما له، إنّها فرصتك ومساحتك للبناء كما أنّها فرصته للهدم والتدمير.

عليك مصارعته بل مصارعة فكره و طبعه، لا الهرب والاستسلام والانعزال بحجّة أنّ هذه الأرض ليست لك بل للأقوياء فقط "الوحوش".
الصبر على هؤلاء هو جهاد يضمن استمرارية البقاء.. يضمن استمرارية البناء.

تخيل أنّك اضطررت إلى المسير في طريقٍ شاق يحمل من المصاعب والكوارث الكثير والكثير وكنتَ مجبراً على المسير عبره.. فما الّذي يحملك على المسير؟ شيء آخر سوى الصبر؟

هل تعتقد أنّك بتوقفك عن المسير مثلاً وجلوسك تحت شجرة يابسة على هذا الطريق واستسلامك لكل المصاعب والكوارث التي تمر بك عبره وأنت جالس لا حول لك ولا قوة قد حققت أسمى معاني الصبر؟!
لا بالتأكيد..
فالصّبر الحقيقي هو الاستمرار في المسير عبر هذا الطريق الشاق وتحمّل كل مصاعبه والإصرار على المسير عبره رغم كل الظروف..
الصبر هو تحمّل المشاق بكل أنواعه للوصول إلى نهاية الطريق، وليس التوقُّف للجلوس تحت شجرة يابسة والاستسلام والتذمّر وكفى!
التغيير يتطلّب الصبر..

والتغيير بنفسك لا يعني الانعزال بها عمّن حولها، بل يكون بك لتستطيع مواجهة التحدّيات التي تعيق نفسك لترتقي فتصبح بمستوى البنّائين الماهرين.

اصبرْ على الواقع وجاهد بنفسك لتكون السبيل لتغييره.
فلا يكون التغيير هكذا في ليلةٍ وضحاها، إنّه بحاجة إلى صبر.

الصبر الذي لا يعني اليأس على الإطلاق..
بل إنّه مرداف الأمل فإن لم يوجد الأمل كيف نصبر؟!
وإن لم نصبر كيف نأمُل؟!
وإن لم نأمُل فكيف نعمل؟!
وإن لم نعمل كيف سنغيّر؟.. كيف سنبني؟!
الصبر هو الأيقونة الأولى في سبيل التغيير..
فلنبدأ إذاً..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.