المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منى الضايع  Headshot

جواز سفر وتأشيرة من الله "3"

تم النشر: تم التحديث:

وهكذا يستمر الصراع بيني وبين نفسي.. بيني وبين واقعي.. لأجل البقاء.

لقد أدركت تماماً أنّ التغيير يتطلّب نَفَساً طويلاً يستوجب الصبر على إصلاح نفْسك وتغييرها قبل أيّ شيءٍ من حولك وأيٍّ كان.

رغم صعوبة الواقع ورغم ظروف الحرب ومرارتها، فإنَّ ذلك ما جعلني أتجرّد من نفْسي لأجد نفْسي.

لقد كانت تجربتي هذه المرة مع نفسي بعيداً عن كلِّ ما حولها، لقد اكتشفت بها أساس التغيير.

لا أريد تغيير الأشخاص ولا حتّى الأفكار بل ما أريده هو أن أدخل إلى أعماق الأعماق، إلى الرّوح.. روح الحياة ومعناها.. فلا معنى للحياة بدون تلك الرّوح.

عندما بدأتُ رحلتي بالتغيير أخذتْ نظرتي تتغير إلى كل ما حولي، حتّى إنّني بدأت أرى نفسي بمنظارٍ مختلف، فتوصّلت إلى نتيجةٍ قطعية بأنَّ تغيير الواقع والأشياء وحتّى الأشخاص هو أمرٌ شبه مستحيل.

لذلك لم يكن منّي إلاّ أن أتعمّق بنفسي وبروح التّغيير.. كنت أقرأ القرآن عندما استوقفني كلام الله في سورة المائدة - الآية 27: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ"، بغضِّ النظر عن تفاصيل قصّة قابيل وهابيل فقد فكّرت طويلاً بكلام الله في هذه الآية.

ماذا لو أنّ اثنين في زماننا هذا قررا أن يقدّما قرباناً إلى الله؟! ما الذي سيحدث؟ وما يمكن أن يكون هذا القربان؟!

كما ذكرت وبغضِّ النظر عن تفاصيل قصّة قابيل وهابيل، لقد تفكّرت بمضمون الآية، وتخيّلت لو أنّني قرّرت مثلاً أن أقدّم قرباناً إلى الله، وكذلك أرادت فتاةٌ أخرى أن تقوم بذلك، فما الّذي يمكن أن يحدث؟!

وَليَكُنْ هذا القربان هو عمل من أبسط الأعمال الذي يمكن لأيٍّ منّا أن يقوم به في هذا الزمان، سأضربُ مثلاً ربّما يجده البعض غير مناسبٍ وغير لائقٍ بعظمة الله إلاّ أنّني سأطرحه، فمضمون فكرتي يكمن ببساطةِ الأعمال التي يمكن لأيٍّ منّا أن يقوم بها وبأيِّ وقتٍ كانْ.

لِنقُلْ مثلاً إنّني قرّرتُ وصديقتي أن نقوم بصنعِ قالبِ حلوى وتقديمه كقربان لله تعالى، ولنقُلْ إنّ هناك فروقاً عديدة بيني وبينها، فصديقتي تملكُ الأدوات الّلازمة وكذلك تملك من المواد الأحسن والأجود والأجمل لصنعِ ذلك القالب.

لكنّي مع ذلك لم أكن أهتم للمواد ولا للآلات التي تملكها كما اهتمامي وإخلاصي بعملي للقالب واجتهادي بأقصى طاقاتي؛ لأقدّم عملاً يليق بنظر الخالق.

أمّا صديقتي فكانت تهتم، وترى أنّها بما تملك ستقدّم العمل الأفضل حتماً؛ إذ لم تكن تتطلّع إلى نظرةِ الله بل كانت تركّز على نظرتها ونظرة من حولها إلى صنيعها فأنساها ذلكَ نظرة الخالق، وهي النظرة الأهم في قصّة التقديم هذه.

قياساً على ذلك، فإنّ أيّ عملٍ نقوم به أو أيّ مشروعٍ نُقْدِمُ عليه ونسعى لإنجاحه بنظرِ الخبراء والمختصّين، بنظرِ المعلّمين والنّاس أجمعين هو كقالبِ الحلوى. عملٌ يختلف من شخصٍ لآخر، يختلف بمضمونهِ وبإحداثيّاته، يختلف بنوعيته وقيمته وتقييميه إلاّ أنّه وفي النهاية "قالب حلوى" يختلف صنعه بين شخص وآخر.

إنها قرابين بني آدم لله تعالى ولا ندري أياً منها سيُتَقَبَّلْ وأياً لا!

"فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ"، أيّ القالبين سيتقبّله الله تعالى يا تُرى؟

أعتقد هنا أنّ النيّة هي الحَكَمْ.. نيّة كلٍّ من الصديقتين. النيّة هي التي تجعل من أبسطِ الأعمال عظيماً بنظرِ الله، النيّة هي روحُ التغيير وأساسُه.

(النيّة الصادقة) هي تلك الوصفة السّحرية حقاً بل حتماً للانطلاق من جديد، هي الوسيط الذي نحتاجه لإتمام معادلة النجاح، بل هي الشرط اللازم للبدء بأيّ تجربةِ نجاح مع أنفسنا ومع الآخرين.

ما أنا متأكّدة منه فعلاً هو أنّنا جميعاً يعلمُ تماماً معنى النيّة، ولكن معرفتنا هذه ليست إلاّ معرفة سطحية لم نتعمّق بأهميتها جيداً.

ماذا لو عشنا تجربة فعلية وتعرّفنا خلالها مفهوم النيّة وتعلّمنا معناها الحقيقي وتلمّسنا نتاجه عن قرب؟

ربّما تعلّمنا معنى النيّة نعم، وفهمنا مغزاها كذلك، لكن كم مرة تلمّسنا نتاجها؟!

ما يجب أن نتعلّمه فعلاً هو المعنى الحقيقي للنيّة الذي يجعل منّا أشخاصاً جدداً في كلِّ يومٍ وفي كلِّ دقيقةٍ وبكلِّ لحظة، المعنى الذي يدخل بأيّ تجربة نخوضها كعامل مهم لنجاحها.

وكيف لنا أن نعيش التجربة ونكتشف أهمية النيّة في حياتنا العملية؟!

إنّها ببساطة كلمة واحدة، هذه الكلمة هي مفتاح الاكتشاف، "لماذا" هي المفتاح؟!

"لماذا" كلمة سؤال نتعلّم من خلالها معنى النيّة الحقيقي ونتلمّس نتاجه.
"لماذا "تبحث في السبب الحقيقي وراء حدوث أيّ شيءٍ كان وبأيّ مكانٍ وزمان، المهم أنّها تبحث عن السبب وراء حدوثه؟

تخيّل لو أنّنا نستخدم كلمة السؤال "لماذا" على الدوام ونسأل بها أنفسنا عن سبب القيام بأيِّ عملٍ مهما كان بسيطاً؟

لماذا نفعله؟ لماذا لا يكون هناك هدف لفعله حتى وإن كان عملاً بسيطاً؟ لماذا لا نجعل منه قرباناً يُتَقَبَّلْ من الله؟

فإن أردنا ذلك علينا أن نضع كلمة "لماذا" قبل حدوثِ أيّ فعلٍ نقومُ به، عندها ستّتضح الغاية من قيامنا به، وبذلكَ سنقترب من المعنى الحقيقي لمفهوم النيّة ولا بدّ أن نرى نتاجه بكلّ تأكيد.

لقد قرّرتُ أن أتّبع هذا الأسلوب مع كلِّ عملٍ أقوم به ابتداءً بالأعمال الروتينية وأبسطها الجلي / المسح / الغسيل (وهي الأمور الأبسط لدى أيّ فتاة) وانتهاءً بأعقدها والتّي تختلف من شخصٍ لآخر، وكل بحسبِ اختصاصه واهتمامه.. المهم أنّني عوّدتُ نفسي قبل أيّ عملٍ أقدم عليه ومهما كان بسيطاً أو روتينياً أن أسألها لماذا أقوم به؟ وعندما أجد الإجابة أقوم باختبارها إن كانت تصلح لتكون نيتي وراء قيامي بهذا العمل أم لا؟
هل هذه النيّة ستجعل من عملي البسيط عملاً عظيماً بنظرِ الله؟؟

إذاً ما رأيك بإرفاق كلمة السؤال" لماذا" بأيّ عملٍ ستقوم به سواءً كانَ بسيطاً بنظرك أو ذا قيمة؟

الهدف من ذلك هو أن تجعل من عملك مهما كانت أهميته بنظرك عملاً عظيماً بنظرِ الخالق وبحضور نيّة صادقة تليقُ بنظرة الله.

لكنْ ما عليكَ أنْ تتذكّرهُ دائماً هو أنّ نظرةَ الخالق تختلف عن نظرتك ونظرةِ من حولك؛ لذا ركّزْ على نفسك وما تملك واعملْ ضمن دائرتكَ أنت وبإمكانياتك فقط مهما كنت تراها بسيطة.. اعملْ بإخلاص وبكل طاقتك وتحدّ كل الصعوبات من حولك.

والأفضل ألّا تضيّع وقتك بالنّظر بعينِ الحاسد إلى نتاجِ غيركَ أو بعينِ المستاءِ لسوءِ وضعكَ ولا تهتم لما يجري حولك.. اهتمْ فقط بما ستقدّمه لله.

انظرْ إلى قربانك نظرةً تليقُ بالخالق واعملْ بإخلاص لتجعل منه عملاً يليق بنظرته.. وانسَ كلّ شيءٍ وتذكّره فقط واعملْ ليراكَ هو فقط ويرضى عمّا تفعل.

اجعلْ من الأذان وفي كلّ حيّ على الفلاح نداء الله الجلي إليك للعمل بإخلاص له ولأجلِ إرضائه هو عزّ وجل وحده ولا أحدٍ سواه.. فالنيّة هي روحُ التغيير وجوهره.

فلننسَ ما حولنا من ظروفِ الحرب وغيرها ولنركّزْ دوماً على ما داخل أنفسنا "الروح".. روح التغيير "النية"؛ لنسمو بأعمالنا إلى ما يليق بنظرةِ الخالقِ فقط.

لنجعلْ من أعمالنا مهما كانت بسيطة قرابيننا لله تعالى ولنسعَ جاهدين ليُتَقَبَّلْ منّا.

لا معنى للوجود بدون الرّوح.. والنيّة هي روح الوجود ولا معنى لوجودكَ دونها، فابحثْ عنها واجعلْ لوجودك روحاً تفرّق بينكَ وبينَ أيّ كائنٍ حي يأكل ويمشي ويتكاثر على هذه الأرض دون سبب أو غاية.

ولتكنْ أعمالنا قرابين نقدّمها لله تعالى وليُتَقَبَّلْ منّا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.