المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 مصطفى البدري  Headshot

ملاحم ورسائل في وفاة الدكتور عمر عبد الرحمن

تم النشر: تم التحديث:

كانت وفاة الدكتور عمر عبد الرحمن يوم السبت 18 فبراير/شباط الحالي داخل السجون الأميركية حدثاً بارزاً له أثره على الساحات السياسية والاجتماعية المختلفة، بحيث سيطرت الحادثة على وسائل الإعلام بشكل واضح رغم وجود حروب ومعارك وأحداث سياسية كبرى في نفس توقيت الوفاة.

ولعل السبب في ذلك هو ما كان للشيخ -رحمه الله- من مكانة في نفوس عموم المسلمين بسبب مواقفه من أنظمة الظلم والاستبداد في بلادنا، فضلاً عن موته داخل السجون الأميركية بعد حرمانه من الأدوية، في واقعة قتل متعمد مع سبق الإصرار والترصد شاركت فيها أربعة أنظمة أميركية متتابعة، منذ المحاكمة الظالمة مروراً بالحكم الجائر بالسجن مدى الحياة، ثم الوضع في الحبس الانفرادي على مدى ربع قرن من الزمان، وصولاً إلى نزع الأدوية التي كان يتعاطاها بسبب معاناته من أمراض متعددة.

وقد ظهرت عدة ملاحم بعد وفاة الشيخ أحببت أن ألقي الضوء عليها، مع ما تحمله هذه الملاحم من رسائل لأطراف متعددة:

الملحمة الأولى (الإعلام)

تمثلت هذه الملحمة في تسابق وسائل الإعلام المختلفة على نقل الخبر، والتواصل مع أسرة الشيخ وطلب التأكيد من الإدارة الأميركية، ثم الاتصال بالقادة والرموز الدينية والسياسية للتعليق على الخبر، وبعد ذلك نشر التقارير عن حياة الشيخ والمِحَن التي تعرض لها في مصر وأميركا، وتخصيص حلقات كاملة في برامج التوك شو للحديث عن الشيخ ومواقفه وآرائه.

وإذا أضفنا إلى ذلك التفاعل الكبير الذي حصل على وسائل التواصل الاجتماعي، وعدد المقالات التي كُتبت عن الشيخ والأعداد الضخمة التي غيرت صورة البروفايل لتصبح صورة الشيخ، فضلاً عن الهشتاغات المتعددة التي تم تدشينها بخصوص الحدث.. كل هذا يظهر لنا أنها كانت ملحمة حقيقية.

الملحمة الثانية (العزاء)

وكانت في رسائل وبيانات وبرقيات التعزية في وفاة الشيخ (حتى من بعض مبغضيه وكارهيه مثل سلفية برهامي في مصر)، ولم تخلُ بعض هذه البيانات من تلميح أو تصريح للاختلاف مع الشيخ في بعض أفكاره وتوجهاته مثلما برز ذلك في عزاء الدكتور يوسف القرضاوي، حفظه الله.

وقد رأيت بنفسي عدداً من الشخصيات السياسية البارزة من عدة دول يحضرون عزاء الشيخ بإسطنبول، كما حضر الشيخ الدكتور عبد الوهاب إكنجي رئيس هيئة علماء المسلمين بتركيا صلاة الغائب على الشيخ في مسجد الفاتح وقدم واجب العزاء باللغتين العربية والتركية، إضافة إلى اتصال هاتفي من الدكتور ياسين أقطاي، مستشار رئيس الوزراء التركي، يعزي فيه أسرة الشيخ نيابة عن الحكومة التركية.

الملحمة الثالثة (الجنازة)

وهي الأكبر والأبرز (جنازة الشيخ)؛ حيث تم الاتفاق على دفن الشيخ في مسقط رأسه بالجمالية في مصر، وفور الإعلان عن وقت وصول الجثمان إلى مطار القاهرة بدأت الحشود في التحرك باتجاهين (اتجاه المطار لاستقبالها، واتجاه الجمالية لحضور الصلاة والدفن والعزاء) من جميع أنحاء مصر، وقد تأخرت الجنازة عن وقت وصولها بساعات ورغم ذلك كانت الأعداد في ازدياد مستمر، ولم يتمكن أعداء الحركة الإسلامية في مصر من إخفاء غيظهم من هذا المشهد المهيب، فكانت تغريداتهم عبارة عن نفثات مهمومين ومكروبين من حب الملايين لشيخ مجاهد قضى عمره في نصرة الإسلام، زاعمين أن هذه الحشود تؤيد الإرهاب وتحب التطرف!!

وكما ظهرت لنا هذه الملاحم الثلاث، فقد قرأتُ أيضاً رسائلَ ثلاثاً في طياتها:

الرسالة الأولى (إلى قيادات الحركة الإسلامية)

إن الثبات على المبادئ هو الذي يطيل عمر الإنسان وليس التراجع أو التنازل عنها، فلئن كان البلاء الذي تعرض له الشيخ عمر قد تسبب في وفاته ونزع روحه من جسده.. فإن ذكراه وأقواله وأعماله محفوظة حيّةٌ تمد الشيخ بعمر آخر متمثلاً في الحديث عنه وذكر مواقفه والتعلم منه والاقتداء به، إضافة إلى حالة ظاهرة من التوافد على كتب الشيخ لقراءتها والنهل منها ليكون هذا دليلاً على عدم انقطاع عمل الشيخ بموته، فقد بيَّن صلى الله عليه وسلم أن موت ابن آدم يقطع عمله إلا من ثلاث، منها "علم يُنتفع به".

الرسالة الثانية (إلى السيسي وعَسْكَرِه)

ظننتم أنكم قادرون على القضاء على الحركة الإسلامية وقطع نسلها، فأبطل اللهُ ظنَّكم وقطع وسوسَتكم ونقض غزلَكم، وظهرت خيبتُكم وبرز خزيُكم، وطننتم أنكم تصنعون فَخاً لاصطياد الأعداد القليلة التي تشارك في الجنازة للتعرف عليها وتتبعها، فجاءت جماهير المسلمين من كل حدب وصوب بما عجزتم عن عَدّه وإحصائه فضلاً عن معرفته والتضييق عليه!! وظننتم أنكم تكسبون نقطة في صراعكم مع الإسلام وأهله، فكانت قنبلة متفجرة فوق رؤوسكم، تنبئكم بأن هذه الحشود إنما تستعد وتتهيأ للانقضاض عليكم وإسقاطكم "وانتظروا إنا منتظرون".

الرسالة الثالثة (إلى أميركا وأذنابها)

أنتِ العدو الأكبر للمسلمين، ويوماً بعد يوم تزداد كراهيتكم في نفوس الجماهير -الصغير قبل الكبير- فهذه الحشود لا تعرف عن الشيخ شيئاً إلا أنه كان عدواً لكم، ولهذا وضعتموه في سجونكم وآذيتموه حتى قتلتموه، فأغلب الحاضرين والمُعَزِّين والمتفاعلين لم يروا الشيخ إلا عبر وسائل الإعلام التي كانت تنقل أخباره عندكم، وكان السؤال الأكثر تردداً: "مَن هذا الرجل الذي تكرهه أميركا كل هذا الكره؟"، في مشهد يعيد للأذهان تفاعل الناس مع شخصية مثل أسامة بن لادن -رحمه الله- فقد رأيت بنفسي لافتات على محلات بعد حربكم على أفغانستان مكتوباً عليها "طرشي بن لادن - عصير بن لادن - مطعم بن لادن ...إلخ"، إضافة إلى كم كبير من التيشيرتات مطبوع عليها صورته واسمه على أنه عدو أميركا الأول، وما مشهد الصلاة عليه في كل بلدان الربيع العربي منكم ببعيد، حتى صلى عليه مفتي مصر الأسبق (الشيخ نصر فريد واصل)، وأثنى عليه واعتبره مجاهداً شهيداً، وكل هؤلاء من عموم المسلمين لا يعرفون شيئاً عنه إلا عداوتكم وكرهكم له، وكل المسلمين الآن يعلمون أنه لولاكم لما استقر احتلال الصهاينة لأقصانا إلى الآن، ولما بقي الطواغيت المجرمون قابعين فوق رؤوسنا إلى الآن.

كل يوم يظهر للعيان أن أميركا وأذنابها يحاربون الإسلام نفسه، وليس كما تزعم أنها تحارب الإرهاب الذي لم تتمكن من وضع تعريف واضح له إلى الآن، كل يوم يتأكد لدى المسلمين صدق قوله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، وقوله "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.