المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد صالح تنتوش Headshot

خلف كل مجنون حكاية

تم النشر: تم التحديث:

تصوّرهم الأفلام والمسلسلات في مشاهد مختلفة؛ مرة في مشهد شخص أشعث أغبر يجري وراءه الأطفال يرمونه بالحجارة، أو يضربونه بالعصي، ومرة في مشهد عميل أو مخبر يدعي الجنون إذا دعت الدراما والقصة لذلك، كما هو الحال مع صطيف في باب الحارة مثلاً، والمشاهد كثيرة، وفي الواقع الذي نعيشه هي أكثر وأكثر.

عشت بعض سنوات المراهقة في منطقة قريبة من مركز مدينة طرابلس، أذكر وقتها أنني قد لاحظت أن عدد (المجانين) الذين أقابلهم في تلك المناطق مرتفع، فمن حين إلى حين أصبحت أقابل وجوهاً جديدة، مشردة على جانبي الطريق، أو يحدثون أنفسهم بصوت عالٍ، يمشون بسرعة كبيرة، لا يبالون بمركبة عند قطع طريق، ولا بانطباع شخص عما يقولون.

وكما هي العادة، فإن القصص حول جنون هؤلاء كثيرة، ولك أن تصدق أو تكذب ما شئت، فقط لا تستغرب إذا قيل لك إنهم كانوا من أهل العقول، بل إن حياتهم كانت أكثر من جيدة إلى أن حصلت تلك الحكاية!

ربما لم أكن وقتها لأتأكد من تلك القصص لصغر سني، لكن في الأيام الماضية عادت إليّ تلك الذكريات حول قصص أولئك (المجانين)، بعد أن سألت عن شاب أقابله كل يوم في منطقتي الجديدة يقوم بتصرفات وأفعال توصف بالجنون، أخبرني الجيران أن هذا الشاب كان شاباً طبيعياً حتى وقت متأخر لم يتجاوز العام، والده توفي في وقت مبكر من حياته، ثم توفيت أمه قبل مدة قصيرة، لم يستسغ طعم فراقها، اضطرب نفسياً فضاق به إخوته ذرعاً، والنتيجة أن أصبح مصيره إلى الشارع.

قصة أخرى أضيفت إلى عشرات القصص التي حدثتكم أني سمعتها في حياتي عن (مجانين وسط البلد)، فذاك جن جنونه بعد أن اكتشف خيانة زوجته له بالجرم المشهود، وآخر قد جن بعد أن أخذ أحد الطغاة كل ما يملك من مال فقيل له: "من أين لك هذا؟"، وإخوة لا يرضون إعطاء أصغرهم حقه من مال أبيه ويرمونه للشارع دون مأوى، ولا أنسى مجنون ليلى وكم هناك الليلة من مجانين والقصص كثيرة في هذا العالم.

في عناوين أخرى فليكتب التاريخ أن بلداناً قد دفعت بأهلها ونشطائها وخيرة شبابها للقبور والسجون والجنون، وذنبهم أنهم حلموا بحرية وتغيير، وعالم لا يكون فيه طاغية يقول لمن يطلبه بالعدل "إن صاحبكم هذا لمجنون".

اليوم يتكرر ذات المشهد في ليبيا، وفي ذات شوارع وسط البلد؛ مشردون على قارعة الطريق، وآخرون يتحدثون مع أنفسهم، بعد أن تركوا طوابير البنوك التي وقفوا أمامها أسابيع دون جدوى، وكيف لا يجن من له رضيع دون أكل أو طفل دون ملبس أو مريض دون دواء، فكل ما يحيط به يخبره أن الحفاظ على عقلك وسط كل هذه المآسي جنون.

خلف كل مجنون حكاية لا تتعلق فقط بمسار حياته؛ بل أيضا بمسار حياة آخرين، اختاروا الظلم والخيانة والطغيان وسرقة أموال الآخرين، ولربما يقرفكم مظهر مجنون مشرد على الطريق، لكن مظهر الظلَمَة وهم يدّعون ممارسة حياتهم بشكل طبيعي فرحين بما قهروا به غيرهم مقرف أكثر.

كل هذا دفعني أن أتساءل يوماً من الذي فقد عقله هل هؤلاء (المجانين) أو ذاك الذي طغى وظلم غيره ولم يهنأ حتى رآه مشرداً يحدث نفسه على قارعة الطريق مصدوماً من نفوس تحمل هذا الكم من الحقد والكراهية وحب الذات؟

ستستمر حكايات المجانين، فخلف كل مجنون حكاية عنوانها "ما يفعله الإنسان بالإنسان".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.