المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد صالح تنتوش Headshot

بائعو الكتب في أرض المحرقة

تم النشر: تم التحديث:

شابت رؤوسهم، وتجعَّدت بشرتهم التي في ثناياها تعبير عن تاريخ طويل، جالسون على كراسيهم يتأملون فيما حولهم، يتحدثون مع الكتب، يدور بين البائع والكتب نقاش طويل كل يوم، تأنس به أنفسهم من وحشة المكان الذي لا يقصده الكثيرون، يتأملون بعضهم البعض، ورغم أنسهم ومحبتهم لبعضهم فإنهم قد سئموا هذا الحال، يتنهد صاحب المكتبة، وهو ينظر إلى كتب القويري وصورة الكوني على إحدى الروايات يمر به شريط من الذكريات، يوم أن كان للثقافة والمثقفين مكانة في نفوس الناس، يومها كانت الصالونات الثقافية تعقد في نواحٍ مختلفة في البلاد من الزاوية غرباً وحتى بنغازي ودرنة شرقاً.

يلمح من بعيد كتاباً يتحدث عن المقاومة الليبية للطليان، وعن أيام الاستقلال والحكم الملكي، يتناوله بين يديه، يمرر الصفحات فيقرأ عن ماضٍ ألمه كألم اليوم، إلا أنه كان مختلفاً، يومها كانت الجرائد والصحف تنشر في المهجر؛ لتبين جرائم الطليان، ولتعبر بلسان حال المجاهدين والمقاومين، يتخطى الصفحات مرة أخرى، فيقرأ عن الحركة الثقافية، ونشاط الأندية والجمعيات الوطنية المطالبة بالاستقلال، عن الكتاب والمثقفين الذين كانت كتبهم تباع في كل مكان، ولحضورهم هيبة واحترام كبير، أصابته تلك الذكريات بالإرهاق، فقرر أن يغلق الكتاب، وعاد إلى جلسته المعتادة.

يتأمل الكتب، وتتأمله هي بدورها حتى أصبحت تشفق عليه، تقول له كل يوم إن زمن الثقافة والعلم قد ولى، وحل مكانه الإنترنت والتكنولوجيا والأخبار، وأصبح الشباب يفضلون صفحات الأخبار والفتن على دواوين المتنبي وأدب ديستوفيسكي، تحاول أن تقنعه بإقفال المكتبة، وأن يتخلى عنها، فهي لا تمانع ذلك طالما سيتقاعد ويرتاح في منزله بعيداً عن الحسرة التي يعيشها وسط هذا البلد، الذي اشتعلت فيه الحروب، ولم يعد فيه صوت يعلو فوق صوت السلاح.

فتح الباب فإذا أشعة الشمس تتسلل منه، ومن ورائه يرى البائع خيال زبون قد دخل "يا لها من سعادة"، طارت عين البائع فرحاً عند رؤيته ذلك الشاب العشريني، هو يتأمل أرفف الكتب، يبحث عن كنز أدبي أو نقاش فكري، يراقبه في صمت، لكنه لم يستطع كتمان سعادته، "أيها الشاب هل تبحث عن كتاب ما؟"، يبتسم ذلك الشاب: "لا شكراً لكنني فقط أطلع على الأرفف لعلني أجد ما يعجبني"، لم يرضَ البائع بقتل الحديث سريعاً، فهو منذ مدة طويلة لم يتحدث مع أحد سوى تلك الكتب التي يستيقظ كل يوم يدعو لها أن تباع لمن يُقدِّرها، كأم حريصة على زواج ابنتها بمن يستحقها.

"لدينا هنا كتب جديدة وصلت للتو من مصر ربما تعجبك"، أثار الأمر انتباه الشاب: "حقاً؟"، أدرك البائع أنه قد حظي باهتمام الشاب: "نعم فنحن نحاول الحصول على آخر الكتب رغم المشاكل الاقتصادية التي نعاني منها بفعل الحرب، وعدم وجود زبائن كثر أيضاً، حتى إننا أصبحنا نفكر في تحويل المكان إلى متجر للسلاح، لعلنا نتحصل على زبائن ونثير اهتمامكم أنتم الشباب بسلعتنا هه"، ابتسم الشاب ولم يعَلِّق على كلام البائع، قبل أن يستدرك الأخير قائلاً: "لا تنزعج مما أقول، فقط أحاول أن أدردش معك، فأنا منذ فترة طويلة لم أتحدث مع أحد الزبائن.

ليس لأنني لا أريد، ولكن لأنه لا يوجد زبائن من الأساس، لم يعد الناس مهتمين بالكتب أو القراءة، لقد استبشرنا بحدوث ثورة فبراير/شباط 2011، وظننا أن الناس سيتجهون إلى الثقافة والقراءة والتعلم أكثر حتى يستطيعوا بناء البلاد، ويساهموا في نهضتها، كما كان عليه الوضع قبل وبعد الاستقلال، عندما اتجه الكثير من الناس إلى الاهتمام بالعلم والقراءة والثقافة، لكن الوضع تغير تدريجياً بعد سنة 1969؛ حيث مرت الحركة الثقافية بفترة عصيبة، وفرضت الرقابة على الكتب، حتى إن تداولها بين الناس أصبح جريمة أشد شأناً من تداول المخدرات.

وعموماً فإن تقديرنا للأمور قد كان خاطئاً، فقد خاب ظننا، واختار أغلب الناس، وعلى رأسهم الشباب، الاتجاه لشراء الأسلحة والدخول في الحروب بدل اختيار القلم والكتاب، لقد ضاع حلمنا وخاب ظننا، ونحن في أواخر العمر في بلد لم يعد فيه مكان ولا مكانة للكتب والمثقفين"، هذه المرة تحدث البائع في حزن شديد، واختفت من على وجهه تلك الابتسامة التي زينته أول ما رأى زبونه قد فتح الباب، ثم أكمل كلامه في حزن، والشاب يحدق فيه بتركيز واهتمام كبير "الأسبوع الماضي كنت في جنازة صديق لي، عرفته صغيراً في أزقة المدينة القديمة.

أذكر يوماً أننا كنا نقوم بجمع مصروفنا اليوم لنشتري كتاباً نتبادل قراءته في نهاية الأسبوع، لقد كبرنا سوياً، وحملنا نفس الهموم، حتى إن حبنا للكتب جعلنا نختار نفس المهنة، فتحت أنا مكتبة للكتب الجديدة، واختار هو أن يبعث الحياة في جسد كتب مستعملة أهملت من أصحابها، أو لم يعد لهم بها حاجة، فكان يشتريها منهم ثم يعيد بيعها أو إعارتها لآخرين، لقد كان يبذل في ذلك جهداً كبيراً"، صمت للحظة يتدارك دموعه: "قبل أيَّام من وفاته شعرت بالملل في المكتبة، فأقفلت باكراً، واخترت المرور عليه؛ لأشرب معه الشاي في مكتبته التي تقع قبل شارعين، أظن أنك قد مررت بجانبها الآن، لكنك لم تلاحظها، فهي مقفلة، أذكر يومها أنني جلست معه محاولاً الترويح عن نفسي وعنه أيضاً، إلا أنه كان هادئاً، ولم يمازحني كما كان يفعل دائماً.

فاخترت أن أشاكسه أنا، قلت له: ماذا بك هائم هكذا هل أصابك عشق بعد أن شاب رأسك أم ماذا؟ احذر أن تفكر في الثانية يا صديقي هه، التفت لي أحقاً تسألني ما بي؟! لو قالها لي شخص آخر ليس بائعاً للكتب لكنت قد تفهمت الأمر، لكن أنت من يسألني! لم أبع شيئاً منذ فترة ولست حزيناً من أجل المال، لكنني حزين على ما أصبح الوضع عليه، لقد أصبحت في الفترة الأخيرة أترجّى الزبائن أن يأخذوا كتباً ولو مجاناً.

بل وكنت مستعداً أن أعطيهم مقابل أن يأخذوا من هذه الكتب ويتزودوا منها لطريقهم، وأولادي! أولادي لا يريدون أن يظلوا في المكتبة من بعدي، فهم لا يرون فيها عملاً مجدياً، ولم أستطع أن أقنعهم بالعكس"، أكمل البائع بصوت منخفض: "أظن أنه مات من حسرته فقد كان قلبه رقيقاً".

تأثر الشّاب كثيراً بما قاله البائع، ولم يعلم ماذا يقول له سوى أن يخبره بأنه لا يزال في البلاد قلة قليلة تحاول أن تحيي تقليداً مات عند الكثيرين، عن قلة استطاعت أن تمسك الكتاب رغم وجود الأجهزة اللوحية، وأن تكتب عن الثقافة والأدب والفكر رغم انتشار سفاسف الأمور والتفاهات، عن شباب جلسوا يتحاورون في أفكار مختلفة في وقت كانت الحرب فيه مصير المختلفين، هم أولئك الذين أمسكوا القلم ضد البندقية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.