المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد مشينش Headshot

انتخابات تركيا بين الشهرين

تم النشر: تم التحديث:

فوز مذهل وفوق المتوقع، هكذا يردد كل من جلس يراقب الانتخابات التركية التي تمت في الأول من نوفمبر لاعتبارات كثيرة، أهمها هو الاستقطاب السياسي الحاد في المجتمع التركي، إضافة الى قلة الأوراق التي من الممكن أن تناور بها الأحزاب التركية لتوسيع قواعدها أو لتكسب أصواتاً أكثر، خصوصاً أننا نتحدث عن شهور خمسة تفصل بين الانتخابات الاولى والثانية، فما الذي حصل وكيف استطاع حزب العدالة والتنمية أن يقفز هذه القفزة ويحقق الأغلبية البرلمانية التي تؤهله لتشكيل الحكومة منفرداً، بل ويقترب من النسبة المطلقة في البرلمان التي تؤهله لطرح الدستور للاستفتاء والتي بات الحديث عنها قوياً لاقتراب عديد مقاعده من حاجز 330 مقعداً، أي بفارق 13 مقعداً فقط، فقد حصل حزب العدالة والتنمية على 317 مقعداً وفق النتائج الأولية للانتخابات.

المجتمع التركي له مزاجه السياسي الخاص به والذي صقلته أحداث سياسية كبرى مرّت عليه في رحلته الى الديمقراطية أفرزت تجربة سياسية جديدة متمثلة في قيادة إسلامية لنظام علماني وسط معارضة مختلفة التوجهات بين يساري له إرث الجمهورية التركية وتأسيسها، وبين قومي يحمل إرث العثمانيين الترك، مع قوة صاعدة تريد أن تتبنى الأقليات في الدولة التركية بقيادة كردية، ولكلٍّ ركيزته الاجتماعية وأنصاره، على أن كل عنصر من عناصر المعارضة يصبح في لحظة ما كفة ميزان قادرة على أن تغير المعادلة السياسية في البلاد.

قبل أن ندخل في قراءة الانتخابات الحالية، انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، لابد لنا من قراءة سريعة لانتخابات يونيو/حزيران السابقة، فهي وكما وصفها كثيرون نقطة سياسية فارقة في البلاد تتمثل في دخول حزب كردي الى قبة البرلمان، وتراجع في قوة الحزب الحاكم، انتخابات يونيو لم تحقق لحزب العدالة والتنمية ما أراد، رغم فوزه، كونه لم يستطع تشكيل الحكومة منفرداً، كما أنه لم يستطع تشكيل تحالف مع أحد أحزاب المعارضة الثلاثة، والأهم أن أحزاب المعارضة لم تستطع أن تشكل تحالفاً في ما بينها أيضاً، وهذه إحدى نقاط القوة لحزب العدالة والتنمية، فهو وكما أفرزت الانتخابات الركيزة الرئيسة للدولة وعماد تشكيلها السياسي.

انتخابات يونيو وضعت حزب العدالة والتنمية في اختبار صعب متمثلاً في الحفاظ على موقعه كحزب حاكم إضافة الى أعباء الحفاظ على تماسك الدولة التركية وهي تمر بظروف إقليمية صعبة، كما وضعت الأحزاب الأخرى في استحقاق صعب أيضاً، إذ لا مجال للدخول في منظومة الحكم في البلاد إلا بالشراكة مع حزب العدالة والتنمية ووفق معاييره، أما الأهم فإن جميع أحزاب المعارضة سلمت بأنها لا تنافس حزب العدالة والتنمية على الصدارة وإنما تسعى لاستحصال المكاسب منه، بمقعد وزاري أو بتغيير في الأولويات المهدّفة بالنسبة للحزب الحاكم.

انتخابات يونيو/حزيران أثبتت أن هناك مؤسسة تحكم في تركيا، فالدولة متماسكة وحكومة الانتخابات قادرة على أن تدير الدفة، والأحداث الإقليمية رغم عظمها في محيط تركيا مستوعبة، ومنظومة الحكم في تركيا قادرة على أن تتعامل معها رغم الوضع السياسي الصعب داخل البلاد.

وبالدخول في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني وبعد قراءة انتخابات يونيو وما أفرزته من نتائج يصبح أمامنا المشهد أكثر وضوحاً، فأسهم حزب العدالة والتنمية تتصاعد بين القوى غير المؤدلجة، وهو ما يبرر زيادة مقاعد حزب العدالة والتنمية على حساب القوميين والاكراد، ولم يأت على حساب حزب الشعب الجمهوري اليساري الكمالي، وهو ما يعطينا قراءة مهمة ستظهر بوضوح اكثر في الانتخابات القادمة بعد أربع سنوات, وهي انقسام المجتمع بين ديمقراطي محافظ أردوغاني (إسلامي)، ويساري جمهوري كمالي، بالاضافة الى الاقليات، ولا ننسى طبعاً التجمعات التي تبني موقفها بناءً على حجم ما تجنيه من مصالح وما تراه من انجازات، وهذا ما سيعطي حزب العدالة والتنمية إمكانية الفوز في الانتخابات القادمة، فالغلبة له وحكومته تخطط لإنجاز مشاريع ضخمة في الأربع سنوات القادمة، وهو ما سيوفر فرص عمل أكثر وسيزيد من قوة تركيا الاقليمية وسيزيد من قوتها الاقتصادية، ومع فوز الحزب في هذه الانتخابات سيكون زخمها قوياً بل ربما أقوى من الفترة السابقة.

في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني شاهدنا قدرة الحزب على تغيير خططه وبرامجه باتجاه تجاوز كل ما شُخّص بأنه أخطاء في الحملة السابقة، سواء على مستوى المرشحين، إذ تم استثمار وجوه سابقة من الحزب لها شعبيتها بعد أن تم تغيير النظام الداخلي للحزب ما أتاح لهم الترشح مرة أخرى، أو على مستوى البرنامج السياسي للحزب (الدستور، والنظام الرئاسي)، وهو الذي أربك الى حد كبير الناخب التركي العام وفتح الباب أمام منتقدي أردوغان وحزب العدالة باتهامهم بترسيخ الديكتاتورية، هذه المرونة والقدرة على المناورة واستخدام نقاط القوة لحزب العدالة والتنمية أكسبته الجولة وأعطته هذه النسبة المرتفعة في سابقة سياسية مهمة متمثلة باستمرار الحزب في الحكم لدورات متتالية.

لا يخلو هذا التفاؤل من محاذير فلا مجال للاسترخاء في منطقة تهوج وتموج بالمتغيرات، والمتربصون كثر. والصندوق لا يكفي لبسط النفوذ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.