المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد جمال الحميقاني  Headshot

تكلم معي, لا تنظر إلى هاتفك

تم النشر: تم التحديث:

بعد يوم طويل في المدرسة، يدخل البيت والجوال في يده، وهو إما يطالع صفحته على الفيسبوك أو يتصفح صوره أو صور أصحابه على الإنستغرام. تناديه أمه وتطلب منه شيئا فيرد "دقائق أمي". يدخل غرفته وهو لا يعرف ماذا طلبت منه أمه. يطلب الغداء وها هو أيضا مع صاحبه الجوال..

بعد لحظات، تجمعت العائلة على مائدة الطعام.. يضع الجوال ويبدأ بالكلام في حضور عائلته "أبي، اليوم تكلم المدرس عن نظرية تسمى بالتطور"، قاطعه أبوه "يا ولدي هذا كله هراء ولا فائدة فيه وهو مجرد كلام لا أصل له. تلتفت الأم وتسأل زوجها.. ماذا يريد أن يقول خالد؟ يجيب الأب "لا لا.. كلام لا أصل له، أنت لم تقل لي ماذا سنهدي أخي بمناسبة مولوده الجديد". بعد مرور ثوان قالت فاطمة "أمي، تحسن مستواي في الرسم كثيرا وصار بإمكاني..."، قاطعتها أمها "يا بنتي لا تضيعي وقتك في الرسم، لا فائدة منه، صحيح أن رسماتك جميلة ولكن حاولي أن لا يكون شغلك الشاغل هو الرسم".

الإنسان يبحث عمن يفهمه ويريد أن يكون حول من يسمح بحقيقته أن تظهر. لدينا قدرة الكلام ولدينا عقل يفكر وهذا العقل نتاج أمور كثيرة، وخبراتنا اليومية هي من أهم ما تكون الشبكات العصبية التي عندما ندرسها عن قرب قد نفهم من خلالها بعض تصرفاتنا. عندما يتحصل الفرد على من يستمع إليه فهذا الشخص يكون محببا إليه، وعندما يتحصل الشخص على منصة تسمح له أن يبدي ما بداخله، فذلك يكون حياته..

قام ليبتون، عالم الأحياء التطوري، في معمله باختبار بسيط حيث وضع بعض الخلايا في طبق وأخرى في طبق آخر. في الطبق الأول وضع بعض ما قد يبدو سموما للخلايا، وبطريقة ميكانيكية حاولت الخلايا أن تبتعد عن موضع السموم، وفي الطبق الآخر وضع بعض العناصر الغذائية في الطبق، وبطريقة ميكانيكية حاولت الخلايا أن تقترب إلى موضع الغذاء.

بهذا، عندما نحصر مجال الكلام ونقاطع كل ما يريد أن يقال، ونقلل من قيمة شيء قد يكون أهم ما في قلب الآخر، فلماذا نأتي بعد ذلك لننتقد العلاقة بين الشاب وهاتفه أو الشابة وهاتفها؟ الشخص بطبعه لا يريد أن يُحصر وعندما تَكون البيئة المنزلية قائمة على الإكراه والحصر، فكيف لنا أن نتوقع من الشباب أن يُفضلوا المجالس والكلام في البيت على الهواتف التي تسمح لهم أن يكونوا هم كما يريدون؟

المحاولة في تشخيص أساس المشكلة قبل أن نبدأ بانتقاد العوارض هو ما يلزمنا. مشكلتنا في كل المشاكل أننا ننزعج من العوارض ونبدي استياءنا تجاهها ولكننا قلما نحاول أن نعرف السبب. مثلا، انتشرت عبارات كثيرة تحاول استرداد الشباب للمجالس المنزلية ولكنها لم تحاول قط أن تعرف أين المشكلة. عبارات مثل "لا تجعل هاتفك يأخذ مكان عائلتك" ولكن لا توجد محاولة لمعرفة السبب وراء ذلك، وقد نسمع البعض يقول إن والده يلزمه على أن يضع هاتفه بعيدا عندما يكون في ملتقى عائلي، ولكني أظن أن هذا لا يفيد أبدا إذا كان عقل الشاب ليس موجودا وإنما جسده فقط.

المشكلة هي تضييق الهامش النقاشي في البيت وتحديد ما هو مسموح أن يقال وما هو مسموح أن يطرح كموضوع حوار أثناء التجمعات العائلية. إذا لم نحترم الشاب عندما يريد أن يطرح فكرة معينة ولم نحترم ما يراه مفيدا لحياته، وعندما نقلل من تطلعات الشابة ونقلل من أفكارها، فإني أظن أنه ضرب من الحماقة أن ننتقد درجة العلاقة بينهم وجوالاتهم. إنه حقا من الحماقة أن تترك الصنبور مفتوحا من دون أن تستخدم الماء وبعد ذلك تنزعج من فاتورة المياه.

يجب أن نبتعد من سطحيتنا في تشخيص المشاكل ونحاول معرفة السبب وراء توجه الشباب لهواتفهم لوقت طويل أكثر مما قد يبدو صحيا، وأنا أرى أنه إن لم يسمح للجميع إبداء ما في أنفسهم وإن لم يسمح للجميع التحدث بحرية عما يسعون تجاهه وما يريدون حقا في حياتهم، فلا فائدة للانزعاج من هذه الظاهرة لأنها ستستمر. عندما يشعر الشباب أنهم يعيشون وسط عائلة تحترم مساعيهم وطموحاتهم وتحاول مساعدتهم في الوصول لذلك، فبعد ذلك من الممكن أن نرى تحسنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.