المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد جمال الحميقاني  Headshot

الذكاء الاصطناعي في كافيتريا في صنعاء!

تم النشر: تم التحديث:

بعض منا عندما يترك وطنه ويذهب لبلدة أخرى، تلبس ثقافة أخرى وتسير على نهج آخر، يبدأ يشعر بنوع من التجديد الداخلي، وخاصة إذا كان يعشق ثقافة هذه البلدة التي ذهب إليها. تكون عيناه مقبلتين على الحياة بصورة مبتهجة، وتريان النور في كل حركة وفي كل صوت، وتشعران أن الحياة مختلفة تماماً عما تركته عيناه في وطنه. يذهب للمقهى ليشرب قهوته وأذناه تحاولان أن تسمعا كلام مَن حوله حتى يلتقط نقاشاتهم الجانبية..

وأما في وطنه فكان عقله يدرك جيداً ما يتحدث به أصحابه. ينظر يميناً فيرى شباباً بكتبهم فيسمع اسم فيلسوف على لسان أحدهم فيُدهَش ويقول لنفسه إنه لم يرَ هذا من قبل في وطنه ولا يظن أن يراه في الأساس.

يصور هؤلاء الشباب ويضعهم على فيسبوك ويكتب "عندما ذهبت للمقهى، كان هؤلاء الشباب في مقتبل أعمارهم يتناقشون ما طرحه برتنارد راسل في كتابه مشكلات الفلسفة" ويكمل كاتباً "إذا صار لدينا مثل هؤلاء أظن أننا قد نتغير". المشكلة أنه ظن أنه علم كل ما في وطنه وعرف جيداً أنه لا مجال لسماع مثل هذه النقاشات، لا في المقاهي أو في أي مكان عام. فكان عندما يذهب لمثل هذه الأماكن لا يحاول أن يعرف حوارات الآخرين ولا هو مهتم أساساً لأنه يعلم ما يتكلمون فيه. فهو يعرف جيداً أنهم يتكلمون عن تخزينة (مضغ القات) البارحة وعن صورة التفاحة التي رسمت كلمة "الله" في داخلها.

شابان في كافتيريا في صنعاء يطلبون ساندويتش فاصوليا ويتحدثان بحماس. ملامح الانزعاج واضحة على أحدهم من الضوضاء التي يصدرها أحد المايكروفونات في المسجد المجاور بعد صلاة المغرب. كانوا يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي حيث ظهر أن أحدهم معجب براي كارزويل ونظريته.

pattern recognition theory of mind (PRTM)

وكان يجزم أن ظهور ذكاء مقارب للإنسان أو حتى ذكاء يقوق ما يملكه الإنسان بات وشيكاً، ولكن الآخر كان يظن أنه ما زال الذكاء الاصطناعي بعيداً عن ذكاء الإنسان، وأن التداخل ما بين العقول الثلاثة (على تقسيمة بول ماكلين) تبين أن عقل الإنسان معقد جداً وأن ما قاله رأي كارزويل عن القشرة المخية الحديثة هو نوع من التقليل. أصرّ الآخر أن ما ينتجه الذكاء الاصطناعي ما زال بعيداً عن العقل الإنساني، وبعد ذلك تكلموا عن فيلم إكس ماكينا. للأسف لم يوجد أي شخص غربي في الكافتيريا كي يصورهم وينشر في فيسبوكه "هؤلاء كانوا يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي" ويكمل كاتباً "إذا صار لدينا مثل هؤلاء فطبعاً سوف نحل المسائل التي نواجهها". نعم لم يوجد من يصورهم.

السؤال هو، هل الشابان اليمنيان يعكسان الشعب اليمني؟ طبعاً لا؛ لأن الغالبية تبحث عن تخزينة (قات) وتحمل سلاحاً وتريد أن تتحدث عن القبيلة وعن مكانتها في المجتمع وكيف كان الأجداد يأكلون الجمر والحديد ويشربون الصديد على أنه عصير مانجو.

الذين يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي هم أقلية الأقلية، هم الذين استطاعوا أن يفكوا أنفسهم من تمجيد الماضي والدخول في الحاضر. حتى هذان الشابان اللذان يبدوان على أنهما ذكيان لا مكانة لهما في عائلاتهم لأنهما غريبين والغريب ليس مرغوباً في المجتمعات المؤدلجة ذات اللون الواحد. وفي المقابل هل ما نشره صاحبنا في الفيسبوك هو يعكس مثلاً باريس بشكل كامل؟ حتماً لا.

معروف أن الكثير في الغرب في ذلك العمر يريدون أن يمرحوا ويرتعوا ويملأوا الملاهي الليلية والمراقص أو المجمعات التجارية أو ينغمسوا في الألعاب الإلكترونية. القليل هم الذين يتناقشون مفاهيم برتنارد راسل في المقاهي.

خلاصة الأمر.. العلم أو الثقافة اليوم ليست محصورة لدولة دون أخرى ولكن تبقى كثير من الدول في المقدمة؛ لأن ثقافة العلم متأصلة في بنياتهم الثقافية. الحالات الفردية التي نراها أيضاً في المقاهي هي لا تعكس نمط الحياة في الدولة؛ لأن الأشخاص يختلفون في المكان الواحد، وذلك لوجود منصات تعليمية كثيرة على الإنترنت وصارت الثقافة متاحة لمن أرادها. وبذالك فإن استخدام عينة صغيرة على أنها تمثل دولة بأكملها نوع من الإجحاف. ليس كل يمني حامل للسلاح باحث عن التخزينة وكذلك ليس كل فرنسي مثقف يعيش في رفوف الكتب. المشكلة في كيفية الترويج للعلم قد يجعل الناس يشمئزون منها.

هناك من يصور للناس أنك حتى تكون مثقفاً يجب عليك أن تكون في ستارباكس وليس كافتيريا أبو عبده، وهذا تصوير سطحي والمؤسف أنه يأتي من علماء في مجالات تخصصية فريدة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.