المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد رضا Headshot

رسالة إلى ولدي

تم النشر: تم التحديث:

مقدمة

ابني الحبيب... أكتُبُ إليك اليوم لعل القدر لا يمهلني حتى أُقبلكَ بين عينيك و أقول لك كل ما يجول في خاطري، لا أدري هل يتسع الوقت و أجلس معك لأخبرك ما يؤرق فؤادي و يدمي مدامعي أم لا؟ الآن... قد أكون تحت التراب، أو رقماً مُهملاً في أحد المعتقلات، لأجل ذلك قررت أن أكتب إليك رسالتي... إرثي ... أضعه بين يديك راجياً أن يجيب عن تساؤلاتك.

لماذا فعلت ما فعلت؟

قطعاً سيخبرك الناس العديد من القصص عني، كلٌ من زاويته... لن يحمل أحدهم عبء أن يتقصى بقية زوايا قصتي ليقصها عليك كاملة، ثم يترك لك التفسير، بل سيقصونها عليك جاهزة بتفسيراتها و تأويلاتها، لن يخبرك أحد أن تبحث عما تجهل، و أن تُعمِل عقلك في إدراك ما قد كان ... و أن تستنتج روابط القصص المتبعثرة عني، حتى تفهم روايتي كاملة.
مثل الكثيرين من أبناء وطني كُتِب علي أن أقضي شبابي مُعارِضاً... ففي نظر من سيقصون على أسماعك الغضة قصتي... سأكون معارضاً لكل شيء، و أي شيء، لكن في الحقيقة.. و على عكس ما يدّعون، كنت أمتلك بداخلي مسطرة للقياس... مسطرة لا تلين... كنت إذا هممت بالأمر استحضرتها لأقيس عليها كل شيء، إن مالت... عارضته، و إن استقامت... أيدته.

نشأت في حقبة مبارك... وجدت مشروعات لم تكتمل، و فساداً يزكم الأنوف، و فقراء ليس لهم عند مرضهم إلا التسول للدولة، رأيت بأم عيني من يملكون الثروات و الوساطات، وجدتهم و قد ملكوا كل شيء، و إن نازعهم أبناء الوطن عليه قاتلوه بلا كللٍ أو هوادة.... فعارضته.
انتقلت إلى حكم لمجلس عسكري... انتظرته ليحمل مصر إلى غدٍ أفضل، وأن يرأب الصدع بين جموع الشعب، فأطلق استفتاءً زاد الفرقة و الانقسام، واحتمى الفاسدون ببابه فأمنوا..... فعارضته أيضاً.

ثم شهِدت في وطني لأول مرة في حياتي سباقاً انتخابياً ديموقراطياً، فانتشيت و قلت هاهي الدنيا أخيراً قررت أن تبتسم لنا و سنحظى بوطن قوي، وحكم رشيد، ترى... هل أخبروك أن القنوات التليفزيونية أذاعت بثاً مشتركاً لمناظرة بين مرشحين للرئاسة؟ نعم... تماماً كما ترى في الدول المتقدمة.
أسفرت الانتخابات عن بداية حكم مرسي... فتفاءلنا بأنه سيقوم بتنفيذ وعوده الانتخابية و تعهداته، وبمرور الوقت.... كانت النتيجة أنه هو أيضاً طيلة عام من حكمه لم يقدم جديداً..... فعارضته هو الآخر.

ثم كان في مصر ما كان..... و جاء إلى سُدة الحكم أحد جنرالات الجيش عبر انقلاب عسكري، نعم يا ولدي.... لا تصدق ما تسمعه من الآخرين... و لا تصدقني أنا الآخر ، و ابحث بنفسك عن ماهية الانقلابات.. اقرأ لتعلم ما قد كان. جاء السيسي ليحكم مصر بعد فترة انتقالية لأحد مستشاري المحكمة الدستورية العليا.. و نال من المعارضين، و نكل بالخصوم السياسيين، و لم يقدم أي جديد..... فكانت النتيجة المتوقعة بأن عارضته هو الآخر.

ماذا قالوا عني في حياتي؟

مثل باقي الحالمين بغدٍ أفضل، كنت أيضاً ممن يتم تصنيفهم و اتهامهم لمجرد إبداء رأيي الخاص، دون أدنى تفكير أو تردد
ففي عهد مبارك.... كنت الخائن العميل الممول من الدول الأجنبية
وفي عهد مرسي.... كنت أحد فلول مبارك
وفي عهد السيسي.... كنت أحد جماعة الإخوان المسلمين
أرأيت؟ كل مؤيدي رئيس اتهموني بأني أؤيد الرئيس السابق.... أمرٌ مضحك، أليس كذلك؟

ماذا أُريد منك الآن؟

لا أريدك أن تمضي الكثير من الوقت في البكاء على ما قد كان، و لا تثق في أي أمر إلا بعد أن تراجعه بمسطرتك الخاصة.... ضميرك، اعرض عليه الأمر و اتخذ قرارك بنفسك، لن يغني عنك الناس شيئاً، إنها رحلتك وحدك... اتخذ العدة والعتاد من قراءاتك المتعددة؛ و ابحث عن المعلومات، هم يريدون أن يحجبوا عن عينيك ضوء الحقيقة.... انزع غشاوتهم عن عينيك و اقرأ بنفسك و دعك من المُسلّمات... كل شيء قابل للنقاش، لا يوجد ما هو مفروض عليك إلا دينك، أما حياتك فهي حتماً للنقاش.

احذر من التعصب لما قد تراه صواباً، و راجع مسيرتك كل بضع خطوات، و التمس نور العلم في دروب حالكة الجهل، و تحسس بيديك معادن الناس، فمنهم من يتراءى لك ذهباً وهو من أرخص النحاس، ومنهم من تراه ليناً يساندك وهو خنجر صدئ يطعن فيك، لا تغتر بحلو الحديث، و لا تنفر ممن يعارضونك، و احتفظ دوماً بمسطرتك الصلبة، لا تلن في الحق أبداً ولو انتقدك الجميع. كن مخلصاً لدينك ووطنك.

طعم الصبر أشد مرارة من الحنظل، لكن ينبغي عليك تجرعه حتى تنجلي الغمة، و تذكر أنك لست أبداً وحدك... ربما تكون وحيداً... لكنك لست وحدك، فرفاق الحلم هناك، تحجبهم عن عينيك قصص الناس، و تكتلات المنتفعين، لكنهم موجودون حتماً، مبعثرون مثلك في دروب الحلم، مستضعفون، لكنهم أبداً لن يكونوا خائنين... لن يبيعوا حلمك و حلمهم من أجل حفنة أموال، أو منفعة هنا أو هناك، ثق يا صغيري بأن الغد الأفضل قادم، بتفانٍ و جهد جهيد، بصبر مرير ، بسعر نفيس، لكنه حتماً قادم... اصنعوه معاً، لا تخذلهم يوماً و ضُم كتفك إلى كتفهم، و عارض.

عارض كل ما تراه خطأً، عارض من أجل وطنك، عارض من انتقص من قيمة الوطن وجعله أضحوكة بين الأمم، عارض من يدافعون ببؤس عن وهم كاذب، عارض من أجل حلمك، و إن لم تكن لتدركه في حياتك، فاصنعه لولدك، و أوقد له الشعلة بيديك، واكتب له أنت أيضاً حتى يعلم أنك أبداً لم تكن متخاذلاً عن نُصرة الوطن ولا دفاعاً عن مظلوم و لا مساندة لمحتاج.
اكتب إليه يا ولدي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.