المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد نبيل يوسف  Headshot

"مفيش صاحب بيتصاحب" صرخة استغاثة من قاع المدينة

تم النشر: تم التحديث:

يقولون إن الفن هو "مرآة الشعوب" بمعنى أن الفن هو انعكاس لمستوى الشعوب الحضاري وثقافتها وتاريخها ,لذلك يعتبرما تقدمه السينما والتليفزيون والمسرح والموسيقى هو الوجه الثاني لعملة طرفها الآخر هو الواقع الذي نعيشه. فنتيجة للانحدار الذي وصلنا له في كافة المجالات تُعتبر أغاني المهرجانات الشعبية التي انتشرت في الفترة الأخيرة هي إنعكاس للحياة في مصر في العصر الحالي. لذلك تستحق أن نتوقف عندها كثيراً.فقد انتقلت تلك المهرجانات من مرحلة الأفراح الشعبية إلى الأفراح والحفلات الفاخرة ثم إلى الإعلانات وأخيراً إلى السينما والتليفزيون عن طريق الأفلام والكليبات المصورة. في البداية استغرب الجمهور ذلك النوع من الضجيج الصادر عن أجهزة الصوت التي يستخدمها مؤدو تلك المهرجانات ثم بعد ذلك تعودوا عليها إلى أن صارت جزءاً من حياتهم اليومية.
ولكن في الفترة الأخيرة نجد أنه تتم المبالغة في الاحتفاء بالفرق التي تؤدي تلك المهرجانات ويمنحون مساحة أكبر مما يستحقون على حساب العلماء والمثقفين وأصحاب الرأي أبطال الرياضة باستضافتهم في البرامج الحوارية والندوات الصحفية في عملية تسفيه واضحة لعقول المشاهدين عملاً بمنطق "هو ده اللي ماشي في السوق" مثلما حدث مؤخراً مع فريق "شبيك لبيك" صاحب مهرجان "مفيش صاحب يتصاحب" الذي حقق ما يقرب من 8 ملايين مشاهدة على اليوتيوب فقد تمت استضافتهم على قناتين شهيرتين للحديث عن قصة كفاح الفريق وكيف جاءت فكرة المهرجان والدور الذي قامت به إحدى قنوات الأغاني الشعبية لإنقاذ المهرجان من السرقة وأشياء من هذا القبيل, وكأن كل مشاكل الوطن قد انتهت ولم تبق إلا المهرجانات التي تستحق الانتقاد هنا هو الإعلام الذي يسلط الضوء عليهم كأنه يكافئهم على ما يقدمونه.
من السهل أن نكتفي جميعاً بالهجوم على حسن البرنس ورفاقه من مطربي المهرجانات الشعبية نستنكر ما يقدمون من كلام ركيك وألحان رديئة وما يروجون له من قيم دميمة وأخلاق ذميمة دون أن نحلل الأسباب التي أدت لانتشار هذا النوع من الأغاني التي توصف بالغناء الشعبي كدلالة على الانتشار من جهة ومن جهة أخرى لاقترانها بالفئات المهمشة في المجتمع من التي أهملتهم منذ سنوات بعيدة في مناطقهم العشوائية يحاربون وحدهم مثلث الفقر والجهل والمرض, لذلك أصبحت الغلبة فيها للجريمة والبلطجة واستعراض العضلات لإثبات الوجود والحصول على الحق أو لفرض أتاوات على الضعفاء في ظل غياب الدولة. أصبحت تلك المهرجانات هي الصرخة التي يطلقونها كي يلفتوا أنظارنا بأن هناك عالما آخر متاخما لنا له قيمه وأخلاقه وثقافته التي تزحف علينا شيئأ فشيئاً
لذلك أقول لا تحاكموا هؤلاء بل حاكموا مجتمع الغاب الذي يسحق فيه القوي الضعيف ولا وجود فيه للقانون إلا لحماية الأقوياء وتسهيل استيلائهم على كل شيء وأي شيء ,حاكموا المجتمع الذي تخلى عن دوره في احتواء الفقراء والمهمشين وخَلق بيئة نظيفة لهم تساعدهم على النمو والإبداع والمساهمة في النتاج الحضاري لهذا الوطن
علينا أن نتعلم من تجربة البرازيل التي عالجت مشكلة العشوائيات ومدن الصفيح عن طريق تقديم برامج تكافل اجتماعي لسكان تلك المناطق ففي ظل المشكلات الاقتصادية التى عاشتها البرازيل من ارتفاع نسبة البطالة والفقر وارتفاع معدلات التضخم اتسعت الفجوة بين طبقات المجتمع الغنية والفقيرة. ولكن الرئيس لولا دى سيلفا استطاع التغلب على كل هذه المشاكل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك من خلال فرض الضرائب التصاعدية. حيث نجح فى توفير ما يقارب من 60 مليار دولار خصصها لمساعدة الأسر الفقيرة والقضاء على ظاهرة توارث الفقر.عن طريق تطبيق برنامج "بولسا فاملى" وهو برنامج لتحسين الأوضاع الاجتماعية، حيث تم تحسين أوضاع 8 ملايين أسرة فقيرة، وذلك بتوفير دخل بحد أدنى 160 دولاراً. وقد بلغت تكلفة هذا البرنامج أكثر من 80 مليار ريال برازيلي. وتم تمويل هذا البرنامج من خلال الضرائب التصاعدية التى تمثل أكثر من 40%. واشترط على كل الأسر المستفيدة من هذا البرنامج أن يواظب أبناؤهم على الدراسة. والهدف الأساسى من تطبيق هذا المشروع هو تخفيف وطأة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية ، وقد نجحت البرازيل فى الحد من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي لمصلحة الطبقة الشعبية وبفضل تلك المجهودات أصبحت البرازيل من ضمن قائمة الدول المؤثرة فى الخمس عشرة سنة المقبلة. وهناك توقعات بأنه بحلول عام 2040 سيكون اقتصاد البرازيل أكبر من اقتصاد ألمانيا واليابان معاً، نظراً لمقوماتها الاقتصادية الضخمة فى مجالات الزراعة والصناعة والاكتشافات البترولية الجديدة, فهل لنا من سبيل لذلك؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.