المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد دنكر Headshot

عبارات سامّة

تم النشر: تم التحديث:

كثيرة هي المصطلحات والتعابير التي نستخدمها يومياً. منها الجميل الذي يُفرح متلقّيه، بعضها كالسيف مؤلم لاذع، منها الملائم الذي يعمل كبلسم للجراح، وآخر مؤذٍ يترك أثراً سلبياً في نفس المتلقّي وربما أكثرها بلا طعم ولا لون. مراجعة بسيطة للتعابير التي نسمعها ونستخدمها يومياً تجعلنا موقنين بأنّ انتقاءنا لمعظمها هو أصل خلافاتنا، لا بل وأساس تخلّفنا ورجعيتنا.

سأبدأ بمصطلح اعتاده الكثيرون وهو مستعمل من قبل الأطباء وشائع في المقالات الطبية والنفسية. المصطلح هو "سن اليأس". التفسير العلمي له، هو الفترة التي ينقطع فيها الحيض عند المرأة، أي عندما تصبح غير قادرة على الإنجاب.

سؤالي: أين اليأس في عدم القدرة على الإنجاب؟ وهل هو حكر على النساء ووصمة عارٍ عليهنّ؟ ما ضرورة استعمال هذا المصطلح لامرأة أنجبت أو حتى لم تنجب؟ ربما لم تتزوّج أو تُرد الإنجاب. عدم القدرة على الإنجاب لم يكن يوماً أمراً ينتقص من أنوثة المرأة، ولا من قدرتها على تربية الأطفال. فكمّ من عمّة وخالة أحنّ على الأطفال من أمّهاتهن البيولوجيات.

لماذا لا نستبدل "اليأس" بكلمة أدقّ. أليست المرأة في هذا العمر بكامل نضوجها؟ لمَ لا نسمّيه إذاً "سنّ النضوج"؟ وحتى لو كان يأساً، أليس اليأس دائماً مرتبطاً ببداية جديدة؟ ربما تغيير جذري في حياة الشخص بعد ذاك اليأس المزعوم.

تعابيرنا دائماً سلبية، إن رأينا مثلاً رجلاً ستّينياً يمارس رياضةً ومازال يتمّتع بلياقة نستغرب ونقول: "انظروا الى هذا العجوز المتصابي". عجوز؟ أليس الأحرى بنا أن نقول: هذا الناضج مازال فعلاً شاباً بروحه ولياقته البدنية؟

وإذا ما رأيناه يُحب السهر أو قضاء بعض أوقاته مع الأصدقاء خارج المنزل، نقول: "أليس الأجدى به أن يبقى في المنزل مع أسرته وأن يوفِّر الأموال التي يُنفقها على نفسه لتربية أولاده". من قال إنّ السهر خارج المنزل، دليلٌ على استهتارٍ وعدم اهتمام؟ هل بقاء الرجل في المنزل دليل على كثرة اهتمامه بأسرته؟ وهل ننعته بنفس التوصيفات إذا كان والدنا أو قريباً لنا؟ من قال إنّ للمرأة سناً عليها عند بلوغه البدء بتجاهل نفسها والاهتمام فقط بأولادها؟ ألا يمكنها القيام بالأمرين معاً؟ وهل يُصبح الرجل مراهقاً إذا أراد المرح وهو في سنّ الخمسين؟

انتقاؤنا لعباراتنا، بما يحويها من هجوم على خصوصية الآخر وانتقاد لحرياته، هو انتهاك لفظي لفكره وذاته. فأيّ حالة مختلفة نصادفها نجزم بأنّ صاحبها يعيش المراهقة، أو فقد صوابه ولم يعد يعي ما يفعل. ندخل في خصوصيات الآخر من نظرة أو صورة على مواقع التواصل. نعرف نفسيته، أفكاره، مشاريعه، ومشوار حياته من تغريدة حتى أنّنا في بعض الأحيان نأخذ موقفاً جاداً منه بناءً على رأي أدلى به أو صفحة فضّلها مثلاً على موقع فيسبوك.

أمّا نحن، فليس من حقّ أحدٍ الحُكم علينا أو حتى ابداء رأيه بتصرفاتنا. فنحن مختلفون، أو هذا ما نعتقده. نعتقد أننا نراقب أنفسنا، ننتقد ذاتنا لذلك يحقّ لنا الانتقاد، والحكم الجائر على الآخرين. أما الحقيقة فمختلفة جداً. فلن يكون لدينا الوقت للنظر للآخرين في حال كنا مشغولين بأنفسنا.

وإذا ما بدأنا باختيار عبارات المديح العذبة فما نحن إلا نعطي كلّ عمرٍ حقّه، لا بل ونحترم الآخر لشخصه، لا لعمره وتطابق تصرفاته مع سنين حياته. فكلّ تلك التوصيفات قواعد نحن وضعناها في المجتمع العربي.

المجتمع الذي يصرف من وقته الكثير في إطلاق الأحكام ومحاسبة العباد. لكن وجب الكفّ عنها، فتلك الأحكام التي أبصرنا النور عليها، قد نستطيع بتحسين التعبير، استبدالها للأجيال المقبلة. وتلك التجاعيد ما هي إلا شاهدٌ على مرور الزمن على أنفسٍ أصبحت أكثر دراية بمُرادها من الحياة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.