المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

معاذ حبيبة  Headshot

هنّ الجميلات

تم النشر: تم التحديث:

الجميلات هن الضعيفات، الجميلات هن القويات يأس يضيء ولا يحترق، ثلاث عبارات لدرويش يصف بهن الجميلات رأيت في تلك العبارات وصفًا لجميلات أخريات لم يقصدهن درويش، رأيت بين سطور تلك الكلمات سبع معتقلات من مدينة الثغر، ما بين أم فاضلة ومربية لأجيال ومناضلة حقوقية، وأربع زهرات أخريات قطفهن النظام من حديقة البراءة والأنوثة، ليزج بهن في غياهب السجن، فتصدم براءتهن بسجينات ما بين تاجرة مخدرات وأخرى بائعة هوى، اختلفت إيدلويجياتهن وتوحد فيهن صوت الثورة، فجميلات مدينة الثغر كغيرهن من معتقلات، كان وما زال صوتهن ثورة وأرق لمن يخشاه.

لا أدري كيف يمكن أن يكون هؤلاء السبع وغيرهن من المعتقلات خطرًا على أمن مصر القومي وكل ما يملكنه صوت وبضع هتافات لقضية يؤمِنَّ بها.

عندما قرأت عن السبع معتقلات وجدت فيهن الأم (الحاجة وداد) التي حرصت على أن تربي أبنائها فتخرجهم رجالًا يعرف كل منهم كيف يصون الوطن؛ فكان جزاء الوطن أن اعتقلها بدلًا من ابن لها عارض النظام. وأعرف منهن مناضلة (ماهينور) دائمًا كانت تتقدم الصفوف تناضل من أجل العمال وحقوقهم وتحمل على عاتقها قضية اللاجئين السوريين، وكان صوتها وما زال ينهش في سراديب العدالة الاجتماعية كي يعيد لكل زي حق حقه.

وأكثر ما آلمني 4 فتيات في عمر الزهور كلهن في مراحل دراسية فبدلًا من أن تكون أحلامهم مشاركة في بناء الوطن ورفعته، أصبحت الأحلام تتمثل في بحث عن بصيص للأمل وتستمتع بنسيم الحرية، أصبحت الأحلام أن تنعم كل منهن بحقوق آدمية، أكل نظيف وساعات للتريض وخلاء لا يخدش حياءهن، أصبحت الأحلام أن تستيقظ كل منهن على صوت أمهاتهم بدلًا من أصوات أرباب السجون وبائعات الهوى، أن يأتي يوم فتكون بين صديقاتها تضحك وتلعب كطفلة أو تجلس مع خطيب وحبيب يتشاركان أحلام المستقبل ويرى كل منهما في عيني الآخر أول أطفالهم بدلًا من أن تجلس لتشارك مسجلات خطر لهوًا لا يليق ببراءة الأنثى.

في كل يوم نرى ونقرأ عن فتاه معتقلة وأحلامها البسيطة وكيف تعاني كل منهن ويلات السجن، نقرأ كيف تتغلب كل منهن على وحشة الزنزانة وقهر الحبس، وكيف يكون الصمود أمام قضاة ماتت ضمائرهم. نرى فيهن قول محمود درويش: "الجميلات هن القويات يأس يضيء ولا يحترق".

بعد قراءتي لعدد من خطابات تلك المعتقلات مرت بخاطري سلسلة مقالات للزميلة سماح إبراهيم بعد خروجها من المعتقل تدون بها شهور الاعتقال وما بها من قسوة ومهانة لا لكونها فتاة فقط لكن مهانة وقسوة للإنسانية، قرأت بها كيف هو حال زوجة تعلم بوفاة زوجها في طابور الزيارة و كيف منع أسرة زوجها لأولادها عنها انتقامًا منها، كيف كانت تعيش دارين مطاوع وكريمة الصيرفي، كيف تحارب المعتقلات اليأس بروح من الأمل، كيف يتغلبن على برودة الطقس وقسوة السجن بدفء مشاعرهن. وبعدها سلسلة أخرى بدأت في كتابتها إسراء الطويل وكيف أنها أصبحت لا تخشى السجن.

قد يسأل البعض لم كتبت عن معتقلات الإسكندرية دون غيرهن، الإجابة باختصار عدة خطابات لفاطمة نصار بعد مرور أكثر من 400 يوم على اعتقالها تطلب منا ألا ننساها ويأتي يوم قد تصبح فيه مجرد رقم في عدد لا نهائي من المعتقلات، قرأت كم هي تفتقد أصدقاءها ولم تنساهم يومًا فهل تمر بخاطرهم، وجدت أن هناك الكثيرات غير فاطمة لا نعرف عنهن شيئًا، تجلس كل منهن خلف أسوار المعتقل وتدعو الله أن يبعث من ظلمة سجنهم يأسًا يضيء ولا يحترق، وجدت أن قصيدة درويش ينقصها عبارة (الجميلات هن المعتقلات).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.