المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ميرنا عادل  Headshot

غريبٌ أمركم أيها البشر

تم النشر: تم التحديث:

تسمرتْ في مكانها من هول الدهشة، ولم تستطع أن تنبس ببنت شفة. نظرت للورقة في حُزن، قرأت الاسم مرةً أخرى. نعم إنها هي! فرقتهما الدراسة فجمعهما التوقيع. لقد ارتاحتْ من هذه الأستاذة ومحاضراتها، لقد ارتاحت من الطاقة السلبية التي كانت تبثها إليها. لقد ارتاحت من وجهها العبوس واتهامها الدائم لها بالفشل، ولكن ها هي الآن تضطر بعد فراق عام كامل أن تقابلها مرة أخرى، أن تمد يدها بالسلام، وهي التي تود ألا تصافحها مرة أخرى، أن تنظر في عينيها، وهي التي لطالما هربت منهما، أن تبتسم في وجهها وهي التي يعتصر قلبها من الحزن بسببها. أخذت تفكر في طريق للهروب من تلك المقابلة ولكن دون جدوى، يجب أن توقع الأستاذة على ورقة الإرشاد الأكاديمي حتى تستطيع الفتاة أن تكمل عامها الدراسي الثالث.

تقع غرفة الأستاذة في الدور الثالث، يجب أن تذهب إليها سريعًا فآخر ميعاد للتوقيع في نهاية هذا الأسبوع. لم يتسنَّ لها الوقت أن تفكر كيف يمكن أن تجعلها توقع على هذه الورقة دون الذهاب إليها. استجمعت قواها وصعدت أدراج الكلية في تباطؤ حتى وصلت إلى مكانها. وقفت لبعض الوقت، أخذت نفسًا عميقًا، استعدت لبدأ جرعة من النفاق المطلوبة في مثل هذه اللحظات، وإظهار هيام لشخص سبب لكَ الكثير من الأذى النفسي. ها قد جاءت اللحظة الحاسمة، طرقت باب الغرفة، وما إن دخلت حتى وجدت القليل من الطالبات يجلسن معها وعلى وجههن الراحة والسعادة. تعجبت لهذا الأمر، لماذا لم يحدث لها هذا من قبل؟ لماذا كانت علامات الحزن والقلق هي المسيطرة عليها؟ استقبلتها الأستاذة حسن استقبال، أحضان ثم قبلات مع ابتسامة حب لم تقابلها في محاضراتها قط. وبعد أن وقعت الأستاذة على الورقة بابتسامة حانية، قررت الطالبة أن تفصح عمّا بداخلها قائلة: على فكرة يا دكتور أنا اتقبلت في القسم اللي كنت عايزاه.

وهنا اتسعت عينا الأستاذة من الفرح، وابتسمت، ونظرت إليها في فخر قائلة: انتي أصلًا شطورة من يومك. وقع هذا الكلام على الفتاة كالصاعقة. أنا طالبة ممتازة؟! حقًا؟! هل هذا ما قالته؟! إذن لماذا لم تقل لي هذا في عامي الدراسي الأول؟ لماذا كانت تتهمني بالفشل كلما أخبرتها أني لا أستطيع استذكار مادتها؟ لماذا كانت تتهمني بالجهل كلما أخبرتها أن تدريس هذه المادة بهذه الطريقة خطأ، ولا يحقق النتيجة المرجوة؟ لماذا كانت تصفني دائمًا بأني جئت إلى الجامعة للهو واللعب وليس للعلم؟ لماذا كانت تستخدم معي أسلوب التهديد وأني كما نقول بالعامية "هشيل المادة".

خرجتْ من عندها وهي حائرة؛ الأستاذة تبدو لطيفة، ولكنها في محاضراتها لم تكن كذلك. الأستاذة تعرف كيف تحفز طلابها، ولكنها لم تفعل هذا في معها. الأستاذة تعرف كيف تبتسم، ولكن كان هذا نادر الحدوث معها بالتحديد. خرجتْ وهي لا تعلم ماذا تقول وماذا تفعل! خرجت وهي تحمد الله أن كلمات أستاذتها في محاضراتها لم تحبطها. خرجت وهي تحمد الله أن رزقها بأم استطاعت أن تمدها بكلمات الحماس والتشجيع. خرجت وهي تحمد الله أن وفقها لما تحب حتى لا تستطيع هذه الأستاذة ولا غيرها إحباطها مرة أخرى. خرجت والعديد من الأسئلة تدور في رأسها، ولكن أهمها كان السبب الذي يجعل هذه الأستاذة وغيرها من البشر يمدحون الشخص بعد تحقيق مراده، وليس في فترة المحاولة والتعثر. همست في خاطرة قائلة: "غريب أمركم أيها البشر"، ثم استكملت سيرها في هدوء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.