المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ميرنا عادل  Headshot

داعش الصغيرة

تم النشر: تم التحديث:

"مقتل 21 مصريًّا على يد داعش في ليبيا"، هذا المشهد الذي مرَّ عليه عام كامل. هذا المشهد الذي اقشعرت له الأبدان واشمأزت له القلوب. هذا المشهد الذي بكى عليه الكبير قبل الصغير، القوي قبل الضعيف. هذا المشهد الذي حرَّك بداخلنا مشاعرَ الحزنِ والأسى، البغض والكراهية، الثأر والانتقام. لكن الوضع كان مختلفًا بالنسبة لي؛ فقد حرَّكَ بداخلي العديد من مشاهد القسوة التي رأيتها في حياتي، والتي أدخلتي في نوبةِ بكاءٍ شديدة.

تذكرتُ منذ ما يقرب من عامين، عندما أوقفتني امرأة فقيرة ومعها ابنها بعدما رأتني أحمل زجاجة مياه قائلةً: "ممكن تشربيه بوء".
تذكرت منذ ما يقرب من ستة أشهر، عندما كنت مع والدي في السيارة وجاء "الونش" حاملًا "ميكروباص" وسائقه واقف أمامه قائلًا بصوتٍ مرتعشٍ من الغضبِ والحزنِ: "حسبي الله ونعم الوكيل.. أنا مش مسامحكم.. أنا مش مسامحكم" وظل يرددها حتى اختفي الونش من أمامنا.
تذكرت منذ ما يقرب من ثلاثةِ أشهر، عندما خرجت من محطة المترو ورأيت أمًّا تمشي مع ابنها الذي يبكي ويتعثر في خطواته، سألتُها: "محتاجة مية؟"، نظرت لي قائلةً: "ربنا يخليكى"، ثم أكملت حديثها وعينها ممتلئة بالدموع قائلة: "أصل هو تعبان.. ومش عارف يمشى.. وأنا تعبت من شيله". وبعدها نظرت له وهي تبكي: "معلش يا محمد، أنت شوية وماما شوية، يلا عشان ماما ضهرها واجعها".

تذكرت المشهدَ الأخير، الذي كان ختامًا لأحزاني، عندما كنتُ عندَ الطبيب، وخرج شابٌ في العشريناتِ من عمرهِ بعد خضوعهِ للـ"منظار" وهو يتأوه رغم أنه لم يفق بعد من البنج قائلًا: "آه أنا عايز أرجع.. آه بطني وجعاني مش قادر.. آه دخَّلوني الحمام" وأخذَ يصرخ بعلو صوتِه "آآآه". لم يُعره أحدٌ اهتماماً، بل تعالت أصواتهم قائلين: "ترجَّع إيه وأنت معدتك فاضية!" إلى أن تقيأ أمامَ الجميع، وأخذوا يهرولون إليه بـ"الأكياس" و"المناديل"، ثم أدخلوه بعدها إلى الحمام. وعقب خروجه أخذ يصرخ قائلا: "جايبني من الساعة 5 ونص ليه أما انتوا هاتدخَّلوني ٨".

تحركت كل هذهِ المشاهد بداخلي، وأصابتني بنوبةٍ من البكاءِ المتواصل، وأخذت أخرج آهاتي على موقع "فيسبوك"، إلى أن جاءتني رسالة من شخصٍ عزيزٍ على قلبي قائلًا فيها: "بصي لنص الكباية المليان.. انتي اللي قولتيلي كده.. مينفعش تزعلي وفي ناس بيحبوكي وحواليكي.. مينفعش تكوني سلبية". أسعدتني هذه الرسالة بقدر ما آلمتني؛ آلمتني لأنني كنت مثالًا للتفاؤلِ والصبر، كنت أعطي الكثير دروسًا في النظرة الإيجابية للحياة. ولكن، كيف يمكنني أن أظلَّ إيجابيةَّ وأنا أري نماذجَ مصغرةً من داعش تسكن حولي؟!
أرى داعش في الحكومة التي لا توفر حياةً كريمةً لمواطنيها! أرى داعش في الضابط الذي يقسو على المواطن! أرى داعش في المعلم الذي يقسو على التلميذ! أرى داعش في حقد البشر على بعضهم بعضا! أرى داعش في قسوة الأغنياء على الفقراء!

هذه دعوة، دعوة لنتخلص من "القسوة" التي تكمن داخلَ كل واحد منا وهو لا يشعر. دعوة لأن نتحلى بالرحمةِ واللينِ مع بعضنا بعضا. دعوة لأن نساعدَ الضعيفَ، ونطعمَ الفقيرَ، ونكسو المحتاجَ. دعوة للقضاءِ على الإرهاب الذي يسكن نفوسنا. دعوة للقضاءِ على "داعش الصغيرة" قبل أن تقضي على ما تبقي لنا من إنسانيتنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.