المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ميرنا عادل  Headshot

الهجرةُ إلى اللغاتِ الأخرى!

تم النشر: تم التحديث:

"الكلية فيها عربي!".. هذه كانت أول صدمة لصديقتي عندما تحدثنا سوياً عن كلية الألسن، وأصابتها هذهِ المعلومة بالفزع الشديد؛ وأخذت تسأل هذا الطالب
وذاك عضو اتحادِ الطلبة؛ ووصل بها الأمر إلى أن سافرت من محافظتها للقاهرةِ فقط لكي تتأكد من وجودِ هذهِ المادة ضمن مواد الدراسة.

بعد التحاقي بكليةِ الألسن جامعةِ عين شمس؛ وجدتُ أن شكوى اللغةِ العربيةِ ليست فرديةً إطلاقاً، وليست متعلقةً فقط بالكلية، ولكنها كما نقول "عقدة" منذُ سنواتِ الدراسةِ المدرسية. وجدتُ "بكاءً" حاداً قبلَ الامتحان، وجدتُ حالات إغماءٍ خاصةً في المرحلة الثانوية، وجدتُ أيضاً خوفاً جماعياً في الجامعة، ووجدتُ مع الأسفِ حالاتِ رسوبٍ فيها ونجاحٍ في اللغةِ الأجنبيةِ الأولى والثانية؛ مثل الإنجليزيةِ والفرنسية، وهو حقاً ما يدفعنا للتعجب.

لا أستطيعُ أن أنكرَ أنني أحبُ هذه اللغة، بل إنني أعشقها؛ ولكنني كنتُ أكرهُ العديدَ من الأشياءِ التي يتم تدريسها خلال سنواتِ الدراسةِ، ولم أكن أستطع تحديدها؛ إلى أن دخلتُ الجامعةَ وأدركتُ كل شيء. أدركتُ أن دراسةَ حياةِ الشاعرِ كانت من أجلِ تحليل النصِ تحليلاً أدبياً سليماً، أو ترجمته إلى لغةٍ أخرى ترجمةً صحيحةً كأنها نصاً أصلياً، ونحنُ لم نكن نُحَلِل أو نُترجم، بل كُنا نصم المعلومات صماً، ونحفظ أوجه البلاغة حفظاً؛ وتاريخ ميلاد الشاعر ووفاته؛ وكل تلكَ المعلوماتِ الكثيرةِ التي لا تجلبُ نفعاً أو ضرراً؛ حتى يأتي يوم الامتحان، ونكتبها؛ وما إن نخرج حتى تنقطع علاقتنا بها. أدركتُ أن الهدفَ من القصةِ هو زيادةُ الحصيلة اللغوية لدينا نحن الطلاب، ولكن ما كان يحدث هو العكس؛ كُنا "نحفظ" ماذا كان يفعل طه حسين، و ماذا كان يأكل ويشرب؛ حتى أن المعلمين كانوا يعطونا جدولاً لمعاني الكلماتِ دونَ وجودِ سياقٍ لها؛ و كنتُ أتعجبُ من الطلبةِ التي تستطيعُ أن تحفظَ معنى كلمةٍ دونَ سياقٍ، وكنتُ أضطرُ أن أتصفحَ كتابَ المدرسةِ، وأستخرجَ الجُملَ التي وردت فيها تلك الكلمات في ورقةٍ خارجيةٍ حتى أستطيع أن أحفظها.

ذاتَ مرة، اشتد جدالاً بيني وبين أستاذي في الكلية؛ لأنه كانَ "يأمرنا" بأن نحب لغتنا الأم، ويأمرنا بأن نحاول الكتابة بالفصحى، ويأمرنا ألا نجعلَ اللغةَ الإنجليزيةَ تطغى على عقولنا، ويأمرنا ألا نتركَ هويتنا العربية؛ لغتنا الأم ولغة القرآن الكريم؛ وهنا لم أتمالك نفسي وقلت له "الحب مش عافية.. أنتم السبب، كل حاجة دَش وحفظ.. لازم نكره اللغة.. لازم.. الحب مش عافية.. عمرك ما هتحب إنسان عشان حد قالك حِبه.. ونفس الفكرة في اللغة.. الموضوع بيبدأ أما نصلح المنظومة اللي ماشية غلط، مش إننا نجبر بعض على حاجة.."، ولا أتذكر كيف انتهى الحوار تحديدًا، ولكن ما أتذكرهُ هو أننا الطلبة من تحملنا الخطأ، نعم تحملنا خطأ كُرهنا للغة.

عندما جالت كل تلك الأفكار داخلي، قررتُ أن أسألَ على حسابي الشخصي على موقع فيسبوك سؤالًا "بتكره/ كنت بتكره العربي ليه؟"
، و وجدت عددًا لم أكن أتوقعه من التعليقات، وكأنني كما نقولُ بالعامية "جيت عل جرح". كانت أغلبُ التعليقاتِ تشير إلى نقطةٍ واحدة؛ وهي أن المشكلة ليست في اللغةِ إطلاقًا؛ ولكن في طريقةِ تدريسها والمحتوى، بينما انطلق عددٌ بسيطُ في مدح اللغة العربيةِ.

نحن لم نهرب من لغتنا، ولكن أنتم من جعلتمونا نهرب؛ ونرتمي في أحضان اللغات الأخرى. أنتم من جعلتمونا نُفَضِّلُ الهجرةَ عن الوطنِ والسكنِ. للأسف، نحنُ ضحايا النظامِ التعليمي، ونحنُ من يقعُ علينا اللوم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.