المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ميرنا عادل  Headshot

هل نقتلُ أحلامنا أم نتركها تقتلنا؟

تم النشر: تم التحديث:

ذهبتُ منذُ بضعةِ أيامٍ إلى السينما بهدفِ مشاهدةِ فيلم إيفرست الذي يحكي عن محاولةِ الوصولِ إلى قمةِ إيفرست في عام 1996 و من نتج عنها من صعاب.

ظللتُ جالسةً فوق مقعدي مترقبةً اللحظة التي سيبدأ فيها الفيلم، و ما إن حانت حتى شعرتُ أنني أعيشُ معهم. عشتُ معهم حالاتِ التوترِ و القلقِ عندَ وداعِ أحبائهم، عشتُ معهم لحظاتِ الوصولِ و الاستعدادات للانطلاق في رحلةِ المغامرة، عشتُ معهم رهبةَ تغير الطقس و زيادة برودة الجو، عشتُ معهم لحظات صعود الجبالِ وسط الثليج، عشتُ معهم لحظاتِ انهيارِ أحدَهم و هرولةِ الآخرين إليهِ لمحاولةِ إنقاذه، عشتُ لحظاتِ بكائه و توسلاته أن يتركوهُ يكمل معهم المغامرة حتى لو كلفه ذلكَ حياته. ظللتُ معهم طوال رحلتهم حتى وصلوا إلى القمة، حتى رفعَ كل واحد منهم العلم الذي طالما حلم برفعه فوق قمة إيفرست. انهمرت دموعي من الفرحِ عندما شعرتُ أن مجهودَ الرحلةِ و السفرِ قد أثمرَ بنجاحٍ كبيرٍ مثلَ هذا؛ و لكن الرياحَ لا تأتي بما تشتهي السفن دائمًا، انقلبت حالة الطقسِ فجأةً، و تحولت البرودةُ إلي رياحٍ شديدةٍ قاسيةٍ محملةٍ بالثلج، و بدأت رحلةٌ جديدةٌ لهؤلاءِ الأبطالِ تشتدُ صعوبتها عن الرحلة السابقة، رحلةٌ تبدأُ من قمةِ الجبلِ وصولًا بالمخيماتِ أسفله. عشتُ مع الأبطالِ اللحظات الصعبة مرة أخري، و لكنها كانت أكثر صعوبة عن المرة السابقة، أبطالٌ مُنهكون من رحلتهم الأولى لم يأخذوا قسطًا من الراحةِ حتى باشروا بمحاولاتهم للنجاة بأنفسهم. بدأت رحلة صراعٍ بينهم و بين الرياحِ العاتيةِ، رحلةُ صراعٍ بينهم و بين الرياح التي أقسمت ألا تتركهم يهنئون بنجاحم. ظللتُ أشاهدهم و الدموع تترقرق في عيني داعيًة الله ألا يذهب تعبهم سدى، داعيًة الله ألا يتركهم يموتون قبل أن نحتفل معهم بنصرهم. و لكن (أنا أريد و أنت تريد و الله بفعل ما يريد)
وصلَ بعضهم سالمين، و أصيبَ آخرون بجروح، و لقيَ آخرون مصرعهم. شاهدتُ صورَ ضحاياهم، شاهدتُ أحدهم و قد أصيبَ بجروحٍ أدت إلى بترِ يديهِ و جزء من أنفه. ظللتُ أبكي داخل القاعةِ على من توفى دونَ أن يعيشَ بضع أيام مع أولاده و ينعمَ بوجودهم في حياته. انتهى الفيلم و خرج جميع من كانوا داخل القاعة و كأن شيئًا لم يحدث، و كأن لا شئ تحركَ داخلَ كلَ واحدٍ منهم، و كأنني أنا الوحيدةُ التي بكيتُ و لم يتأثر أحدٌ غيري.

خرجتُ من القاعةِ هائمةً تتحركُ بداخلي العديد من الأفكار، و لكنَّ أهمها هو تأثيرُ الحلمِ على الإنسان الذي يجعله يتركُ ما أمامهُ و ما خلفهُ و يسعى لتحقيقه. الحلم الذي جعلَ هؤلاءِ الأبطال المعروفين و غيرهم من المغمروين يخاطرون بحياتهم من أجل تحقيقه. ظللت أتسائل هل هناك أحلام تستحقُ أن نضحي بحياتنا في سبيلِ تحقيقها؟ ظللتُ أفكرُ في كمَّ الأحلامِ التي ترددتُ في السعي لتحقيقها خوفًا من المخاطرِ التي قد لا تتعدي نسبة الواحد في المئة. وقفتُ أقارنُ نفسي بهم، جبني بشجاعتهم، خوفي باطمئنانهم، ضعفي بقوتهم، سلبياتي بإيجابياتهم، تشاؤمي بتفاؤلهم، شعرتُ أن الكفةَ بدأت تميل إليهم و شعرتُ بضميري يؤنبني على خوفي الذي يقف دائمًا كالحاجز بين ما أطمح إليه و بين ما قد يترتب عليه. و لكني بعد برهةٍ من الوقت توقفت لأتسائل، هل يعقل أن أضحي بكل شئٍ في سبيلِ تحقيقِ شئٍ واحدٍ؟ هل يعقل أن أتركَ جميع ما أحلم به حتى أحققَ واحدًا منهم فقط؟ هل يعقل أن أتركَ أمي تبكي فراقي و أبي يتحسرُ بدوني و ابني يحتاجُ لأحضاني من أجلِ حلمٍ واحد؟ هل يعقلُ أن أُنهي حياتي و أنا لازلتُ في ريعان شبابي سعيًا وراء حلمٍ يمكن ألا أهنأ بتحقيقه و لا تتاح لىَ الفرصة حتي أحاول مرةً أخرى؟ و بعدها شعرتُ أن الكفة التي مالت إليهم في بادئ الأمر قد بدأت تميل لي. و عندها وقفتُ أنا حائرةً بين الكفتين لا أعلمُ من منهما على صواب و من منهما على خطأٍ. و لكن يبقي السؤال الذي يحتاجُ إلى إجابةٍ هو: هل نقتلُ أحلامنا أم نتركها تقتلنا؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.