المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

منار محمد عبدالله Headshot

"ربما" التي قتلتك

تم النشر: تم التحديث:

كان نصيبي من المعاناة أن أظل دائماً في تلك المسافة الرمادية، منطقه الـ"بينَ بينَ"، تلك النقطة بين الطمأنينة والقلق، بين التمرد والخضوع، بين شجاعة الاعتراف وضعف الانسحاب، وعلى بُعد خطوة من الوصول أو الاستسلام، على حافة السقوط أو التحليق، بين هزائم روحي وصلابة ظاهري!

لطالما كرهت أن أظل في منتصف الطريق بين رغبه البوح وقوة الصمت، بين غمرة الشوق ورهبة الاقتراب، بين أوج الشغف وحدة الفتور، بين الهداية والضياع، وبين ما أريده حقاً وما أفعله!

لعلك قد سبق لك وأردت أن تبكي، ولكن لا دموع خرجت؛ لذا فأنت فقط دائماً ما تحدق ببلاهة في الفضاء بينما تشعر أن قلبك قد كسر في قطع.. لعلك في كل مرة نازعتك فيها قوة البكاء كنت تحاول مراوغة نفسك وتخبرها "سنبكي لاحقاً أما الآن علينا أن نبدو في غاية الصلابة بعدها أعدك سننفجر في البكاء".

ربما زادت عثراتك كثيراً في الأعوام الماضية وتثاقلت معها أعباء روحك المُنهكة، لعلك ما زلت تنتظر ذاك النجم الذي سيلمع في سمائك، وربما يئست وسئمت الانتظار، لعلك تعلمت بعض الدروس وربما ما زلت تحتاج إلى بعض المرات المقبلة؛ لتكرر فيها نفس أخطائك السابقة.

ربما نضجت وعلمت أن الدنيا ستكسرك كسراً موجعاً يليق بها، وأن الناس ستخذلك خذلاناً يليق بهم، ثم تدرك متأخراً بعد إسرافك بمشاعرك ومحاولاتك بالتعمّق والفهم أن تتعايش مع فكرة أنك معرض للهجر والنسيان في كل مرة تظن أنك مهم عند أحدهم.

وربما ما زلت تحتاج أن تتعلم الابتعاد حين يضيق بك العالم، تتعلم ألا تفجر بمزاجيتك حدائق يابسة من حولك.. ربما تتعلم شجاعة عدم التعدي بحجة أنك لست على ما يرام، لعلك تتعلم النضج حين تحترق!

ولعل السماء تفتح لك باباً مره أخرى، ولعلك تراه هذه المرة، وأن تبث فيك نوراً جديداً يخلق لك ظلاً يرافقك، ولعل الجرح الذي أصاب قلبك كان المنفذ الوحيد لوصول النور إليك.. لعلك لست وحيداً اليوم لست مظلوماً والأهم لست ظالماً.

ربما غداً يأتي إليك بعالم آخر في دنياك لطالما حلمت به، لعلك احتجت فقط إلى إزالة بعض الأغبرة التي لا تزال عالقة على قلبك، وربما كل الكاذبين قد تابوا! وكل من خانك تاب، وكل من أهانك تاب، ولعل كل هؤلاء الذين منحناهم الثقة استحقوها، وربما كل الأقنعة قد سقطت، وكل من كان زائفاً أتى إليك بابتسامة تائبة أو باختفاء صادق..فرحيل الزائفين صدق وابتعادهم أيضاً صدق.

ولتعلم يا عزيزي أنك لست المحبوب دوماً بين الكل ولست الروح الجميلة وسط تلك الأشباح وأنت لست المنقذ لهؤلاء المنافقين الذين يتملكهم جنون دائم بشغر تلك المقاعد التي ليست لهم، رغم وجود الكثير من المقاعد الفارغة.. هذه الندب الثمينة ستخلدها ذاكرتك للأبد للدلالة على أن أكثر الطعنات الخائنة الغادرة فتكاً بك، لم تكن أقواها بل كانت أقربها لقلبك فعلاً وشخصاً، ربما لم تعد مثل هؤلاء.. وربما هؤلاء قد اكتفوا وقرروا اليوم أن يتركوا لغيرنا شيئاً أفضل مما تركوه لنا.

لعلك تذهب كل يوم لليوم الذي يوازيه السنة الماضية، ولم يتغير امتنانك لمرور الزمن.

لا بأس مرّ عام آخر، تستطيع معه أن تلمس بيديك العاريتين ما أخذه الزمن منك وما تركه على ملامحك.. لعلك اكتشفت أنك حصلت بالطريقة الصعبة على ما كنت تسعى إليه دوماً: مستقبل مفتوح، ذاكرة بعيدة وتصورات صفرية عنك، عن العالم والناس والأشياء.

ربما نضجت والأشياء التي كانت تبكيك في السابق تمر عليك الآن وتتخطاها بضحكة ساخرة لعلك كبرت اليوم بما يكفي لابتلاع الغصة وفمك مشدود، وربما لم تكن حياتك الماضية إلا مقدمة لسنوات ربيعية قادمة تمحو أثر كل العواصف الخريفية المؤلمة.

في العام القادم أتمنى ألا تقلق فأنت لست وليد الأمس ولا اليوم ولا حتى الغد أنت خلاصة ما مررت به طوال هذه الأعوام.. عشرات الأعوام من التجارب، الخيبات والانتصارات، الأصدقاء والأحبة والترك والفقد والقرب والبعد، والعلامات والانتكاسات والمرور على قلوب الناس ومعرفتها أو الرحيل عنها.

لذا حاول ألا تحمل نفسك عبء سخافات مضت، فالخضوع للألم أو لسواه، لا يعني بالضرورة الضعف أمامه أو الانهيار، بل يعني القبول بوجوده والقبول بضعفك الإنساني، وأن الألم ملازم لنا ما دمنا على قيد الحياة يجعلنا بذلك نكتشف في أنفسنا قوة جديدة لم نعرفها من قبل.

أتمنى ألا تحزن على ما قد فات ولا تقلق بشأن ما هو آتٍ، فلعلنا نتقابل العام القادم وتخبرني أن كل الأشياء الجميلة قد حدثت، وكل الفرص الضائعة قد سنحت، ولعل كل الأمور الصائبة والخطط المؤجلة والكلمات التي ضاعت فرصة قولها قد حان دورها..وربما تكون قد أدركت حينها أن فرص النجاح ستأتي، ستأتي ولكن بعد رحلة طويلة من خيبات الأمل.. من صديق يخذلك وحبيب يكسر قلبك وصاحب نفوذ يظلمك حتى تيأس من الناس جميعاً وتلجأ إلى الله وحده فينصفك.

لعلنا نتقابل وتكون قد امتلكت حديقتك الخاصة أو ربما مزهريتك الخاصة، على الأقل تكون قد أهديت لروحك شيئاً جميلاً مثلها تستحقه، أو كتبت لأجلها بيت شعر رناناً، أو صنعت لها لوحة جميلة مكونة من خطين أو ربما ثلاثة، وإن كنت لا تجيد الرسم، أتمنى أن تتودد لها، وتتشبث بها جيداً هذه المرة، وتصبح رفيقها الأقرب لا الأوحد.

أتمنى أن نتقابل في ذاك الشارع الذي وقفنا به في الخيال معاً، وربما حينها تستطيع التعرف عليّ!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.