المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ماهر طلبه Headshot

صديقي وحديث النمل

تم النشر: تم التحديث:

يوماً ما حدثني صديقي عن النمل، فقال: إن النمل هو أعجب ما خلق الله وأجمل ما خلق الله.
قلت له: كيف تقول ذلك وقد خلق الله الأنثى؟
قال: أتعرف أن النمل من أقدم الكائنات على الأرض، وأنه قد عاصر الديناصورات، ولم يندثر مثل غيره من الكائنات التي لم تتحمل ثقل الزمن.. انظر إليه في حركته وتعاونه.. سوف أحكي لك قصة.

كانت لي صديقة منذ زمن طويل، وكنت أنا وهى في علاقة حميمة، وقد غابت كثيراً، لكنها فجأة حدثتني، وقد ذكرتني مكالمتها بأيامنا الماضية، فأردت أن أعود بها إليها.. فطلبت منها قُبلة كمقدمة للقاء، فرفضت.

أتصدق.. أن النملة الواحدة تستطيع أن تحمل أضعاف وزنها وتسير بهذا الثقل مسافة قد لا يتخيلها عقلك.. أحكي لك.

يقال.. إن صديقتي هذه في زمن الفراق الأول.. تعرفت على صديق لها -صار زوجاً فيما بعد- عاشت معه -كما تدعي هي- أجمل أيام حياتها.. أتذكر.. أني كنت دائماً ما أسمعها -قبل أن نفترق- تردد على مسامعي هذه الكلمات: "الآن أعيش أجمل لحظات حياتي".

أتصدق.. أن النمل يستطيع أن يقاتل أنواعاً من الحشرات أضخم منه عشرات المرات ويهزمها دفاعاً عن عشّه.. سأحكي لك.

في زمن فراقنا الأول، في أيام فراقنا الأولى.. لمحتها مرة في مكانٍ كنا نرتاده أنا وهي.. كانت في نفس الموضع تقريباً، لكن كان معها هو -صار زوجاً فيما بعد- لا أظن -على الأقل في داخلي- أنهما كانا يفعلان ما كنت أفعله أنا وهى في نفس المكان.. لم أحاول أن أقترب، لم أحاول أن أظهر أمامهما.. فقط جلست مكاني صامتاً حتى انتهى وحتى انتهت وانصرفا.. عندها ذهبت إلى هناك أفتش في بقايا المكان عن رائحتها..

هل تعرف أن النمل يتحدث بلغة هي أقرب إلى الرائحة؟ فالنمل يترك رائحته في المكان رسالة إلى القادم من بعده.. حتى الملكة تتزاوج بالرائحة، فهي تنشر رائحتها حتى يستدل عليها الذكر فيقوم بعمله.. هل شممت يوماً رائحة النمل؟.. هل تَفهّمْت أو حاولت أن تفهم رسائله؟.. سأحكي..

يومها جلست، لم تكن في داخلي مشاعر أو أحاسيس.. فقط الفراغ تسربت إليه الرائحة.. أسرتني في مكاني فظللت أسيرها ما بقي من عمري..

هل تعرف أن النمل يأسر بعضه بعضاً؟ وأن بعض الكائنات تعيش في مستعمرات النمل أسيرة لكنها لا تقتله ولا يقتلها.. فقط يستنزفها أو قد تستنزفه.. ألم تسمع أني يوم زفافها -عليه- ذهبت إلى بيتها.. وقفت على العتبات أستمع إلى الأصوات المنبعثة من داخلها وللحاضرين.. تبعتها حتى منزل الزوجية، لم أدخله.. فقط وقفت أسفل البيت.. انصرف الجميع وبقيت أنا.. لعلي كنت أقتفي أثر الرائحة، كنت أتابع رحلة البحث عن المصدر لعلي أهتدي..

تسألني هل صحيح تموت النملة حين تقرص؟.. نعم.. فالنملة لا تقرص إلا حين تحس أنها قد حوصرت تماماً.. انكشفت أمام من تتصور أنهم أعداؤها ولم يعد لها أمل في النجاة.. عندها تضع آخر نقطة سم عبر شفاهها في جسد الضحية لعلها تنجو، لكن قرصتها تعني موتها.. يومها.. أطفأتْ أنوارها.. وأنواري.. ظللت واقفاً -أرقب النافذة- إلى أن أذن المؤذن.. عندها سألت نفسي: "هل أذهب لألبي النداء أم أتبع شارة القبيلة.. أنتظر الرائحة؟".. أصدقك القول.. كان هذا يدور في عقلي، لكنه ما كان يستطيع أن يحرك قدمي قيد أنملة -كأن سمها قد شلني- فأنا كنت أنتظر شيئاً آخر غير كل ما قلته.. نسيت أن أقول لك: إن النمل مجتمع من الإناث.. ملكة.. شغالات.. جنود.. لا يدخله الذكر إلا ليقتل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.