المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جلنار Headshot

رجل بنكهة عربية

تم النشر: تم التحديث:

عند وصولي إليها كل ما كنت أتوقع سماعه تجربتها الغربيّة والمقارنات غير المتناهية التي اعتدنا سماعها من كل من تسنَّى لقدمه أن تطأ تراباً غير ترابنا ولو لبضعة أيام، تراباً ذراته بها ما يكفي لصناعة المعجزات، وهواءً منسوجاً من أجود أنواع الفكر يغنّي الحرية بصوت أوبرالي، هكذا يوهمنا المغتربون اللاهثون وراء شبح النجاة، ولم يخطر ببالي أن يشغل مساحة حديثها شوقها العربي وعطشها غير المتوقع لعروبتها، تاركة على رف الحديث الغزل الغربي الرتيب المعتاد، عاشقة عادت إلى وطن ظُلم بوَسم ضرورة الفرار، وسوط الحنين كان جلادها.

كيف نسدل الستار على ذكريات شكّلتنا هي نحن في زمن آخر؟ أنتخلى عن أنفسنا؟ حين أعطت هذا الحب لا شيء أمكنه تحجيمه؛ لأن الحمام الأبيض يسجي جسر السلام بداخلها، الجسر بين حنينها وغربتها، وقد أعطت هذا الحب سنوات دراستها وعملها وبضع شعرات سرق سوادها العمر.
طالما كان التردد سيد رغبتها ومانعها عن الاعتراف بسرها، بينما من حولها يرقصون طرباً بالغربة.

لا شيء يشبهنا هناك، بعض القيود نختارها بفرح وربما بفخر أيضاً، فأن نمثل مكاناً وبيئة جئنا منها حتى لو اجتمعت ظروفها علينا ونبذتنا، هكذا يكون حبنا للوطن، أما أن نضيع بين ثقافة لا تشبه طفولتنا وحرية لا تشبه موانعنا، فتصبح الحياة إلى الأسر أقرب.

ولأن قسوة البعد عن الوطن وصعوبات التأقلم وغيرها من العوارض لم تصبني بعد، فأنا حين أغادر بلدي أغادره لوقت قصير، لم يخطر ببالي من قبل وأنا محاطة بكل ما هو عربي كم يكون صعباً أن ترغب بسرد نكتة ولا تجد شريكاً يفهمك، وأن تنتظر سيل الضحك ويقابلك الصمت، وأن تصلك رسالة وتكتم ضحكتك؛ لأنك لن تستطيع أن تجيبهم إن سألوك عن السبب، لم أتصور يوماً أن تكون نكاتنا ومزاحنا موضع حنين، ونحن الشعب المشهور بعقد الحاجب، نحن نضحك أحياناً لحاجتنا للضحك بديلاً عن الصراخ والاحتجاج، نتبارى دون سبق إصرار مَن صوت ضحكته أعلى، نتبارى كم سيبقى رنين قهقهاتنا يعزف في آذاننا حتى نجتمع ثانية، أي ترجمة قادرة على نقل لغتنا ومعظم نكاتها مرتبطة بالمكان بشكل أو بآخر!
قالت: أريد مزاحاً بالعربي، أريد أن أضحك بالعربي، كم من الأشياء البسيطة في متناول فرحتنا ندركها حين تغيب عنا.

ذكرتني بصديق يشكو الوطن في كل لقاء، ويدعي أنه لم يكرمه ولم يكن عادلاً معه فهجره وامتنع عن زيارته، رغم هذا العداء الجهري لم يكن شيء يعلو على ابتسامته والفرح يغطي ملامحه وحركاته وحتى كلماته، إن التقى بأي عربي صدفة في غربته.

شعرت أن ما تريده ليس أن تجد حباً يشاركها صعوبة أيامها وتفاصيلها وحسب، بل تريد أن يرافقها الوطن على هيئة رجل، فكانت تبحث عن حب، عن رجل بنكهة عربية، رجل يشد الأصفاد على رحلاتها المنتظمة لزيارة بلادها ويوثق رباطهما، بينما لا تزال تثير استغراب أقاربها وصديقاتها، فهي الجميلة المحاطة بقائمة من المعجبين.. ولم ترتبط بعد.

تريده عربياً.. في الغرب يجدون بلادنا قد تحولت إلى حقول للموت، وهي تعيش بينهم وما زالت تريده عربياً ناجياً من حقول الموت الجسدي أو النفسي الذي أصبح يتربص بنا، عربياً كلغتها وبشرتها وأمثال جدتها القديمة.. تريده عربياً لأسباب خارجة عن الحب، قد لا يدرك الرجل أحياناً أن كل ما تبحث عنه المرأة هو شريك لنكتها.. شريك لضحكتها.

أجمل ما في الأمر أن عروبتنا ما زالت قادرة على إثارة دهشتنا ما حيينا وما ابتعدنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.