المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

انتصار العبدالله Headshot

في زمن الوعي المسلوب

تم النشر: تم التحديث:

عندما يصبح الهمّ الأول والنهائي للإنسان هو تأمين مقومات الحياة الأساسية والتي أصبح وجودها ضرباً من الرفاهية.. هنا لا مكان للوعي..

يظهر ذلك جليّاً لنا في مسار الثورة السورية والتي أُريد لها قسراً أن تتحول من قضية كرامة وحرية إلى قضية لجوء ولاجئين وأعباء تثقل كاهل المجتمع، ذلك التحوّل كان من السلاسة بمكان بحيث أنه غاب عن عيون العديد من المتابعين لما يحدث على الأرض السورية..
وإن أردنا أن نسلط الضوء بشكل واضح على تلك المرحلة فإننا سنتناول عام 2013 تحديداً بالتحليل.. خروج العديد من المناطق من سيطرة نظام الأسد ووعي عالٍ لدى الشعب بأولوياته وأهدافه، أفزع داعمي الأسد وأجبرهم على التحوّل عن خطتهم الأولى فعملوا وبشكل مفاجئ على زيادة ضخ مقاتلي حزب الله وإيران وإقحامهم في المعارك على الأرض، ما نتج عنه وبتناسب طردي زيادة عدد النازحين من القرى والمدن -التي شهدت أحداثاً دامية على إثر هذا التدخل- إلى الدول المجاورة، وهنا تكمن النقطة المفصلية..
إنه تحوّل مدروس انطلت خدعته على الجميع وبشكل رهيب فغيّبت أي نظرة للمدى الأبعد وكيفية انعكاس الأحداث عليه، شُغل المعظم باللحظة الراهنة.. لحظة السعي نحو تأمين ما يحفظ الأنفاس - صعودها وهبوطها- ، وتجاهلوا دون دراية منهم ذلك الهدف الأكبر الذي حرصوا على إغفاله عنهم ألا وهو الوعي..
وفي غمرة الانشغال بلحظة الحياة.. ضاع الهدف واللحظة، فلا هم استطاعوا أن يحافظوا على أساسيات الحياة ولا هم وُفقوا في بناء الوعي أو على الأقل إبقائه يقظاً بمجريات الأمور..
في المثل الذي تداولناه صغاراً "العقل السليم في الجسم السليم".. يأتي البعد الأعمق، فليس المطلب في هذه الحالة جسماً سليماً كما كان يتبادر إلى أذهاننا، بل جسماً قادراً على أن يكسر قيد حاجاته البيولوجية بالحد الأدنى، كي يشغل ولو حيزاً صغيراً بالهدف الذي أُهلك ذلك البدن فيه..

فإن لم يستطع ذلك فسيبقى أسير حاجاته التي لا تنتهي.. بل تتجدد كل يوم وكل لحظة لتزيد صاحبها بعداً عن الهدف واضمحلالاً في الوعي.. إنها كالدائرة المفرغة يبقى الإنسان فيها يدور ويدور حتى يهلك ويفنى..

يقول علي شريعتي في الوعي: "عدوّي أنا كإنسان، وعدونا نحن كمجتمع إنساني أو عقائدي أو شعبي، كان العدو شخصاً أم أداة، فهو يسلب منا الوعي، ويبدلنا بهما جهلاً وفقراً وذلاً، وإن كانت على شكل معرفة"..
إننا في زمن الوعي المسلوب..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.