المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ابراهيم عمر Headshot

..تحولات ما قبل الألفية

تم النشر: تم التحديث:

تحولات ما قبل الألفية

قبل أن آتي، أي قبل عشرين عاماً غير بعيدة من الآن، كان والدي يمتلك بيانو، والعديد من الكتب التي تحمل في داخلها الكثير من الثرثرة.. كان والدي حينها كما يقول دائماً "شاباً يتغذى على الكتب والموسيقى". وكان يمتلك دراجة، يتسلق بها الحواري، كأنه يقوم بعملية تطريز من نوع آخر للأرض، كما يفعل الفلاحون ذلك أثناء الزراعة.

كل ذلك، كان قبل سقوطي من رحم أمي، إلى رئة الحياة، المشحونة بالخوف والقلق مما سيحدث غالباً في الغد، ولذلك لم أحب ما كان يفعله والدي، القراءة والموسيقى؛ ولأنني لست من هؤلاء الناس، الذين يفضلون مجالسة كتاب مبنيّ على الثرثرة، بدلاً من مجالسة امرأة خائفة من أن تكون وحيدة بلا رجل.

ثم إنني إذا جلست وحيداً مع نفسي لقراءة كتاب، أو الاستماع لمقطوعة لباخ، ما الفائدة السريعة التي يمكنني كسبها؟ باختصار كبير، إنني لا أحب أن أتأمل الأشياء غير الظاهرة بالمرة، ومجالسة امرأة خائفة من العنوسة أفضل كثيراً من تلك الثرثرة التي بداخل الكتب.

الآن تجاوزت مراحل غير كبيرة، ومقارنتي بالأجيال السابقة غير مجدية، لأنني باختصار تمكنت من شق طريقي من دون دراجة، أو كتاب، أو مقطوعة موسيقية تخلد ذكرى مؤلفها. كل ما أنتمي إليه، يصبح خاوياً..

أتذكر ما حدث معي منذ عامين، كنت في زيارة لصديق ما، يسكن في البعيد عن هنا، وهنا هو ما يعرف بالمكان الذي يسقط فيه رأسي على الوسادة، وهذا دليل واضح مني على عدم اقتناعي بالجغرافيا، فالجغرافيا في ظني هي المكان الذي تنام عليه، دون أن يكون مزدحماً بالصراصير.

كان ذلك اليوم مشحوناً بكل شيء، السماء كأنها امرأة حامل على وشك الوضع، ربما تنفجر تلك المياه دفعة واحدة على الأرض، وتغسل كل هذا الوجع، والفقراء وجوههم تكبر بشكل كبير، موازية لبؤسهم الواضح أكثر من أي شي آخر، أنا الآن في منتصف مركب للمواصلات العامة، الجميع يهرول إليَّ حيث لا يدري، فقط هناك امرأة تقف خائفة وهي تنظر إلى السماء، تحمل في يديها أشياء تبدو كأنها عناوين لكتب، تمكنت من الوصول إليها، ودون أن أقف بجوارها..

سألتها من بعيد: من أين أتيت بهذه الأشياء التي تحملينها، لا يبدو لهذه المدينة أنها تملك مكتبة عامة؛ لأن الناس هنا لا يفكرون في شيء سوى لعبة مباريات لا تنتهي مع بطونهم، حتى يصابوا بالإمساك.

ردت بحياء كبير: إنني لست من هذه المدينة، أنا زائرة، وحظي عاثر.

كيف؟ رددتُ عليها بسرعة أكبر من البرق الذي يشتعل في هذا المكان، وخُيّل لي حينها أن البرق ليس سوى كاميرا للسماء، وهذا الوميض هو فلاش كبير، بعدسة واسعة جداً.

قالت المرأة التي لا تشبه سوى نفسها، إنها قادمة من بعيد، ولديها ندوة عن "التحول الكبير في السنة الأولى للمطلقات"، تعجبت من العنوان الكبير الذي تحمله في عقلها، وما التحولات التي يمكنها أن تصيب امرأة مطلقة في سنتها الأولى؟ هؤلاء البشر، محبو الثرثرة مع الكتب، والموسيقى، وأصدقاء المتاحف، لديهم عناوين مخيفة بالمرة، مرعبة أكثر من الوضع الذي نحن فيه الآن، أي مطلقة يمكنها أن تتحول إلى ديناصور في سنتها الأولى، وما التحولات تلك يا هؤلاء المثقفون؟ رجاءً دعونا في شأننا، نحن نعرف إدارة شؤون أنفسنا، دون أن تكون هناك ندوة تحذيرية عن التحولات التي تصيب نساء قريتنا في سنواتهم الأولى للطلاق.

ندمت شديد الندم على محادثتي مع تلك المرأة، حاملة الكتب، والخزعبلات، تركت نفسي مع السماء الحبلى، وتمنيت أن يستمر هذا الوضع إلى ما بعد الأبد، وأن يتم ترك أي شخص في حاله، دون أن تكون هناك تحولات داخل كتاب، أو مقطوعة موسيقية يتأملها رجل مثقف، لا يعرف تضاريس الشارع الذي نعيش فيه.