المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إبراهيم أحمايد Headshot

شبه الجزيرة الكورية 101

تم النشر: تم التحديث:

لمَ لا يشتعل فتيل الحرب في كوريا؟

تعيش شبه الجزيرة الكورية هذه الأيام بحسب عدد من الوسائط الإخبارية الغربية بالأساس عدداً من التطورات الخطيرة التي قد تنتهي إن صدقت توقعاتها بقيام حرب بين جمهورية كوريا (كوريا الجنوبية) وشقيقتها الجمهورية الكورية الديمقراطية الشعبية (كوريا الشمالية) بتدخل أميركي لا محالة، قد يجر الصين وروسيا إلى حرب بالنيابة تشبه تلك القائمة في سوريا في أفضل الأحوال، وتحول اليابان وعدد من دول الجوار إلى أراض يفر إليها الكوريون من ويلات حرب لا تكاد تكون لهم فيها ناقة أو جمل.

هذا الطرح المروج له عبر الإعلام لا يعكس في واقع الأمر حقيقة الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية، ولا يكاد يكون سوى مزيج من الجهل بالوقائع وعدم إلمام بالمصالح الاستراتيجية لجميع المتورطين في هذه النقطة الساخنة من العالم، والتي تمنعهم من المغامرة نحو أي حرب مفتوحة، فما هو الوضع هناك؟ ولمَ لم نرَ حرباً كورية ثانية قريباً؟

مَن هي الأطراف المعنية بالنزاع الكوري؟

الأطراف المعنية بالنزاع الكوري ستة (6) وتضم الكوريتين والصين واليابان وروسيا المتاخمة حدودها جميعاً بعضها بعضاً، تضاف إليها الولايات المتحدة التي تملك قواعد عسكرية في كوريا الجنوبية بجيش مرابط هناك منذ عام 1953 قوامه نحو 30 ألف جندي، وقواعد عسكرية أخرى في اليابان تضم قطعاً عسكرية نووية، بالإضافة إلى قاعدة مزودة بمنظومة صواريخ ثاد في مكاو.

اجتمعت هذه الأطراف الستة في عدة مناسبات ضمن محادثات عرفت باسم "المحادثات النووية" أو "المحادثات السداسية" لوضع حل نهائي لمعضلة النووي الكوري الشمالي الذي تعتبره دول الجوار أساس اللاأمن في المنطقة، وهذا إلى غاية عام 2008 حين غادرت بيونغ يانغ طاولة المحادثات مغلقةً الباب أمام أي مشاورات مباشرة مع سيول وواشنطن، معتبرة أن تواجد الولايات المتحدة العسكري في المنطقة مصدر اللاأمن.

هل انتهت الحرب الكورية الأولى؟

اندلعت الحرب الكورية عام 1950 بغزو الشمالية للجارة الجنوبية بعد سلسلة من المناوشات الصغيرة هنا وهناك على طول الحدود بين البلدين، وسيطرت بيونغ يانغ آنذاك على جل الجارة الجنوبية إلى غاية تدخل واشنطن العسكري (تحت مظلة أممية) إلى جانب سيول وجرها الصين إلى ساحة الحرب إلى جانب بيونغ يانغ.

أسفر هذا التدخل عن عودة التوازن العسكري إلى المنطقة وتراجع بيونغ يانغ إلى الشمال ضمن ما سمي لاحقاً بالمنطقة منزوعة السلاح (طولها 250 كم وعرضها 4 كم) شديدة التحصين، وليتم توقيع اتفاقية هدنة عام 1953 أوقفت جميع الأطراف بموجبها إطلاق النار ودخلت بفضلها شبه الجزيرة الكورية نوعاً من الهدوء الحذر المستمرة إلى غاية الساعة من دون أن يعرف أحد بعد السبيل إلى إنهاء هذه الحرب وإقناع الجانبين بتوقيع اتفاقية سلام.

إذن، فمن الناحية التقنية لا تزال الدولتان في حرب، ولا يمكن الحديث عن حرب ثانية والأولى لم تنتهِ بعد.

على الرغم من تلويح الولايات المتحدة في كل مناسبة بخيار ضرب كوريا الشمالية عسكرياً أو استعمال السلاح النووي ضدها كما لمح إليه نائب الرئيس الأميركي "مايك بنس" قبل أشهر في كوريا الجنوبية، لن تفعل واشنطن أياً من هذا لتعارض مثل هذه الخطوات مع مصالحها في المنطقة، فما هي هذه المصالح؟

دخلت واشنطن شبه الجزيرة الكورية في الأساس لوقف المد الشيوعي ومنع كوريا من التحول إلى فيتنام ثانية.

بقيت هناك بعد الحرب بعد أن دمرت 70 في المائة من كوريا الشمالية، بذريعة الحفاظ على اتفاق الهدنة، ما أدى إلى بيونغ يانغ إلى التوجه آلياً إلى تطوير النووي لردع واشنطن عن مهاجمتها، في حين أن واشنطن رأت في ذلك الآن ذريعة للبقاء إلى الأبد في واشنطن لحماية الشعب الكوري الجنوبي من أي هجوم نووي كوري شمالي، وعلى مر السنين بنت واشنطن في هذه النقطة من العالم ترسانة حربية قوامها 30 ألف جندي مجهزين بآخر التكنولوجيا العسكرية الأميركية من دون احتساب مجندي الجيش الكوري الجنوبي الذي يخضعون أوتوماتكياً للقيادة الأميركية في أوقات الحرب وفق اتفاقية الدفاع الموقعة بين البلدين.

بذريعة حماية كوريا الجنوبية دائماً، تقوم واشنطن هذه الأيام بتركيب ما تسميه منظومة الدفاع الصاروخي ثاد.

هذه الخطوة لم تزعج بيونغ يانغ وحسب، بل أزعجت روسيا والصين بشكل أكبر، فمنظومة ثاد الدفاعية بحسب واشنطن يمكن استعمالها هجومياً أيضاً بصواريخ تبلغ البر الصيني والروسي، كما يكشف رادار هذه المنظومة القوي جزءاً من الأراضي الصينية ما يضعها تحت أعين الولايات المتحدة.

كل هذه القوة العسكرية الأميركية المتواجدة في كوريا الجنوبية حارسةً لمصالحها هناك ليس لها أن تكون أو تبقى إن زالت كوريا الشمالية وزعيمها الشاب "كيم جونغ أون"؛ لذلك فإن دوام الوضع على ما هو عليه ضروري إذا ما أرادت واشنطن أن تُبقي قواتها على مرمى حجر من بكين وحدود روسيا الجنوبية في آسيا.

بالإضافة إلى استفادة الولايات المتحدة استراتيجياً من وجود التهديد الكوري الشمالي فهي تستفيد اقتصادياً.

الشعور المستمر بهذا الخطر جعل كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية اثنين من أكبر زبائن الصناعة العسكرية الأميركية.

ففي العام 2014 وحده اقتنت سيول 7.8 مليار دولار من الأسلحة والمنتجات العسكرية (رقم واحد عالمياً) 7 مليارات منها منتجات أميركية.

إن أي رجل أعمال أو اقتصاد عاقل سيخبرك أنه من الغباء أن تدع سوقاً كهذه تذهب مهب الريح بجرة قلم على اتفاقية سلام.

ما رأي كوريا الجنوبية؟

إن أردنا الإيجاز في الرد على هذا التساؤل جاز القول إن رأي سيول من رأي واشنطن شاءت سيول أم أبت، وإن شئنا التفصيل وجب التنويه مجددا بأن 30 ألف جندي أميركي يقبعون في معظمهم وسط العاصمة سيول غير بعيد عن القصر الرئاسي.

خيارات كوريا الجنوبية تجاه التواجد العسكري الأجنبي على أرضها محدودة، فعلى الرغم من تفوقها العسكري على شقيقتها الشمالية هي غير قادرة على مجابهة أي هجوم صاروخي أو نووي قادم من الشمال (إذا سلمنا بامتلاك الشمال صواريخ نووية) من دون العون الأميركي. فسيول ممنوعة بحسب اتفاقيات وقعتها من اقتناء بعض أنواع الصواريخ الضرورية لبناء مظلة دفاعية ما يجعلها معتمدة كل الاعتماد على المظلة الدفاعية الأميركية.

على الرغم من أن البحار تحيط بكوريا الجنوبية من كل صوب باستثناء الشمال، فإن أسطولها البحري ليس بالقوة الكافية لمواجهة الغواصات الكورية الشمالية التي على الرغم من قدمها فإنها تتفوق على نظيرتها الجنوبية عدديا، ما يجعل سيئول تعتمد مجددا على الأسطول البحري الأميركي المرابط باليابان لمواجهة هذا التهديد.

كوريا الجنوبية باختصار مرهونة للولايات المتحدة، عسكرياً على الأقل، ومصلحتها في تواجد واشنطن على أراضيها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.