المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إبراهيم أحمايد Headshot

#الفشل_علمني : تحرك فأنت لست شجرة

تم النشر: تم التحديث:

اكتشاف النسبية في النجاح والفشل بين الرضا بالمتاح والتمسك بالأمل

قبيل دخولي الجامعة قرأت على جداري الفيسبوكي منشوراً كان يتحدث عن سبل تحقيق الأهداف، وكيف أن كتابتها على ورقة قد يساهم في تحقيقها، فنظمت أهدافي وكتبتها ولونتها وأطرتها وعلقتها على جدار غرفتي الجامعية فور دخولها على أمل أن تتحقق.

أهم أهدافي رغم منطقيته وبساطته كان يبدو لي معقدا للغاية. ككل طلبة قسم هندسة الورشات البترولية في الجامعة كان إيجاد عمل في شركة بترولية، أول سطور ورقتي المعلقة على الجدار وبشكل غير اختياري، فهذا ما كان منتظراً منا جميعاً أن نسعى نحو تحقيقه من دون أن يعرف أي منا كيف السبيل إلى ذلك.

تحمّلت بؤس جامعات بلادي ثلاث سنين طوالاً عجافاً لم يشفعن لي بعد تخرجي، فقد تحقق ذلك التوقع المخبوء عميقاً في صدري تحت كنفات الشك والريبة وعدم اليقين وفشلت في تحقيق "هدفي الأسمى" وعجزت عن إيجاد عمل بشركة بترولية توفر الأجر الثمين والمسكن المريح ورحلات الطائرة المجانية، وبدلاً من ذلك حطّ بي القدر عبر أحد معارف قريبة لي في مصنع للإسمنت اشتغلت به عاملاً بسيطاً.

لم أتصور أن ترتسم على وجوه بعض ممن أعرف والمحيطين بي ملامح الإحباط وكأنهم من ذاقوا مرارة الفشل اللاذع لا أنا، في حين أني المعنيّ بالأمر والمتفرج على نفسي أضيع أهدافي من دون أن أتمكن حتى من إصابة العارضة أو القائم، تاركاً خلفي سنوات عديدة من الدراسة لأعمل في تخصص غير ذلك الذي أضنتني دراسته، لم يحزن لي قلب ولم تدمع لي عين ولم يرف لي جفن.

استسلمت للأمر الواقع لكني عجزت التعود عليه. أمضيت نحو 4 سنوات في المصنع أحاول مغادرته أو على الأقل نيل ترقية في مصنع الحسرة هذا تعفيني مغبة وظيفتي التي لا تحتاج أي دراسات جامعية أو ثانوية حتى، بل مجرد رفش وذراعين وبلادة لا محدودة. لكن من دون جدوى، لا أنا ترقيت ولا أنا غادرت ولا أنا واع بما أنا غارق فيه.

من حولي كان إلى جانب المتحسرين على حالي أولئك البيضاء قلوبهم ممن يصرون على تقديم تطميناتهم بأني وُفقت في إيجاد عمل في وقت تشغل فيه البطالة يوميات مئات الآلاف من حاملي الشهادات في البلد. في حين يعمل البعض الآخر على أن يقنعني بأنه قد حان وقت الاستقرار وإتمام نصف الدين بعد أن نجحت في دخول مصنع الحسرة، في حين يحاول فريق ثالث اقناعي بأن كل ما يحدث لي قدر لا مفر منه وأن النجاح الحقيقي يكمن في دخول الجنة بعد الممات.

على اختلاف وجهات نظرهم حول ما يعتبرونه نجاحا أو فشلا، ساعدني جميع من حولي من دون أن يدروا في معرفة حقيقة ما أنا عليه، ووصلت إلى قناعة بأني لم أفشل في بلوغ أي هدف ولم أنجح في بلوغ أي هدف أيضا، بل لازلت في وضع الانتظار. ساعدوني لأكتشف أن تلك أهدافهم لا أهدافي، فأنا لم أبدأ بعد جهادي فكيف أفشل قبل البداية. فهمهم المختلف لماهية الهدف ساعدني لأفهم حقيقتي، ما أنا إلا مشروع لا يزال قيد الانشاء ولكن توقف مؤقتا لغياب العمالة.
ببلوغ قناعاتي هذه قررت استكمال أشغال الإنشاء وأتيت بورقة جديدة أكتب عليها هذه المرة أحلاما لا أهدافا، أحلام طفولة كدت أن أنساها. حلمت دائما بالسفر والكتابة والفن والصحافة، حلمت بأن أكون مبدعا من نوع ما، حلمت بأن أتحدث لغات العالم، حلمت بفرصة للبدء من جديد. وفي أقل من أسبوع قررت الاستقالة والرحيل.

لملمت ما وفرت من مال وابتعت تذكرة وحقيبة وانطلقت نحو كوريا الجنوبية أبحث عن هدف جديد ريثما أحقق أحلامي. كانت العاصمة سيئول مضيافة للغاية. بدأت هناك من الصفر أو أدنى وكأني ولدت من جديد، وكطفل رضيع يحاول تعلم المشي والحديث عشت أول عامين من حياتي الجديدة. بعد 4 سنوات الآن لا أدري كيف انتقلت للعمل محررا بوكالة الأنباء الأكبر في البلاد ومذيعا بإذاعتها الوطنية ومراسلا صحفيا في نفس الآن. الأمر مثل الحلم.
رغم ما حققته في هذه الفترة الوجيزة من تواجدي بكوريا الجنوبية لازال ذلك الذي كان يواسيني حين كنت في وطني على حاله يواسيني اليوم، ومن كان يصفق لنجاحي لا زال على ذلك الحال مصفقا، ومن جعل من القدر جوابا لكل أمور حياته قبل 4 سنوات لازال يحدثني عن قدري اليوم أيضا. أما أنا فلازلت أبحث عن هدف جديد ريثما أحقق أحلامي، مقتنعا بأني مجرد مشروع قيد الانجاز ما حييت.
لست أكتفي بعد الآن بكتابة أهدافي وأحلامي على ورقة أعلقها على جدار، بل أحملها في جيبي إلى حيث تصبح واقعا ممكن التحقيق. فقد قرأت يوما على حائطي الفيسبوكي منشورا يقول: "تحرك فأنت لست شجرة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.