المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام بن شريف Headshot

عذراء المطرقة.. سطيف كانت ولا تزال عذراء دون مطرقة

تم النشر: تم التحديث:

لا أعلم إن كان جديراً بي أن أبدأ مقالي بإبداءِ رأيي جلياً وصَبّ غضبي لما حدث بمدينة سطيف الجزائرية قبل فترة ، أو أن أخوض بالأمر من جانبٍ تحليلي لأحاول أنا شخصياً فهمَ ما حدث.

أصادف في بعض الأحيان نموذجاً يَجعلني أتوقّف لِلحظة.. كما الآن للتّفكير وكتابة هذا، ذلك الذي لا يروقه أحد، لا يعجبه شيء، فيرى أن الجميع على خطأ، الجميع على معصيّة، الجميع في انحِلال وفي ضلال (جرعة زائدة من الفضالة)، وإن أنت أبدَيتَ أيّ علامة رفصٍ لما يقول، فقد حَلّت عليك لعنة السيّد النّزيه ومُتابعيه.

حضرة النّزيه بهذه الحالة لا يُعجبه وضع المجتمع دينياً (فلننطلق من هنا لتكون جرعة الرّفض لهذا الكلام أعنف).

يَنتقد -مثلاً- من يُنادون أو يحترمون الحريّات الشّخصيّة، (أعلم الوَقعَ والصّورة الذّهنيّة التي تحملهما كلمة يُنادون لدى البعض لكنّني لا أعني ذلك)، بسرعة تدفّق أقوى من محرّك بحث إلكتروني يَصعقك بردّ ديني (غير مُبَرّر).. كيف ذلك؟ يطرح أمامك شيئاً كأنّما هو لوحة (بازل Puzzle) ناقصة لبعض الأجزاء، بحيث أن يكون هو بحدّ ذاته غير مُلمّ بالفكرة الكاملة، فإن حدث وأربكتهُ بأسئلتك وتقدّمت معه بالنّقاش (النّقاش الذي يعتبره جدالاً، وبعد دقائق ثورة فتح إسلاميّة)، وإن أنت تغلّبت عليه بنصٍ قرآني مُماثل لِردّه، ينتقل مباشرة لسحب الورقة الثانيّة بوجهك وهي (المجتمع)، مُعتقداً ذلك النّزيه أنه لم يؤثّر عليك بكلامه في المرحلة الأولى؛ لأنّك (لا تخاف الله، لا تؤمن به) فيحاول أن يدفع بك إلى الزّاوية أو بالأحرى إلى الرّكن الآخر (الأخلاق، النّخوة..).

النّخوة -إي والله- النخوة التي وصلت بأحد (الإسلاميّين - مع التحفّظ على الكلمة) بولاية سطيف قبل أيّام إلى التجرّؤوالإقدام على تحطيم تمثال عين الفوّارة بوسط ساحة الاستقلال، هذا التمثال العبارة عن امرأة عاريّة (دون التطرّق إلى تحليل الصورة الذهنيّة والسميولوجيّة التي لا يختلف اثنان في رؤية وضع التمثال عليه)، التمثال الذي يعود تاريخ بنائه إلى سنة 1898 على يد المصمّم الفرنسي (فرنسيس سان فيدال).. هذه الحادثة التي كانت بعد دقائق من ذلك محطّ جدلٍ على مواقع التّواصل الاجتماعي بالجزائر، فتباينت وجهات النّظر إلى الموضوع بين رفضٍ وسخطٍ واستنكارٍ للجريمة (أنا أعتبرها كذلك) وتأيّيدٍ لذلك، مِمّن راقهم الأمر وصفقوا لمن قام بذلك!

السؤال الذي يخطر بذهني الآن هو نفسه الذي راودني سنة 2006 حينما كانت لي أوّل زيارة لمدينة سطيف، والتّوجه دون شك لزيارة النّافورة، اقتنيتُ حينها تذكاراً لتمثال عين الفوّارة وعدت سعيداً بذلك لأزيّن به غرفتي، فتفاجأت بأخي (السّلفي) يقوم بتشويه معالمهِ، كنت آنذاك بعمر السادسة عشرة، لم أفهم لمَ فعل ذلك؛ لأنّه بالأساس معادٍ لي ولبعض أفراد العائلة (دون التطرّق إلى فكرة قطع صلة الرّحم)، لم يفهم المراهق بداخلي وقتها ما الغريب بتمثالٍ من حجر على رفّ غرفة، ولا يكاد الشّاب بداخلي اليوم يفهم ذلك، لكّنني سألته عن السّبب، فأجابني أنّه حرام، وأنّ هذا فتنه لي ولأهل المنزل، وهو يرى بنفسه البطل الذي بُعِثَ لحماية الآخرين.. كنت أرغب آنذاك أن أسأله لمَ لا يتّجه إلى مدينة سطيف ويقوم بتحطيم التّمثال بحدّ ذاته أَوَلا يُعتبر أكبر فتنة من التّذكار نفسه؟

نفس السّؤال أتطرّق إليه اليوم، وهو أن جميع من راقهم تصرّف ذلك الشّخص، الذي اختلفت الأقوال بين كونه مختلّا أو عاقلّا.

- أولاً: لمَ لم يقم أحد قبل اليوم بنفس الأمر مِمّن ذهبوا إلى اعتبار المَعلَم (فتنة)؟ أوَليست فتنة عمرها قرن و19 سنة؟ ألم يعلم بذلك منذ أن وعى على الدّنيا وأدرك أنّ هنالك تمثالاً لامرأةٍ عاريّة قابعاً بوسط مدينة سطيف؟ وإن كان لا أحد منهم يمتلك القدرة على حمل المطرقة وفعل ذلك، ألم يكن بوِسعِ أحدهم الخروج والتظاهر أو الاحتجاج لهدمِ هذا التّمثال المُخلّ بالحياء كأبسطِ الإيمان؟!

- ثانياً: لمن ذهبوا إلى اعتبار المَعلَم (صنماً) ويجدر بنا هَدمه، لو كان أحد هؤلاء يستطيع التفريق بين التّمثال والصّنم لفهم ذلك بشكلٍ جلي، فالأصنام والأوثان هي التي تستخدم لغرض العبادة (والعياذ بالله).

بين أوّلاً وثانياً، نجد الأمر يَقبع بخانة (الدّين الإسلامي)، نحن اليوم بدولة الجزائر التي يعتبر الإسلام دين الدّولة وليس نظامها، وإن كان كذلك فما موقع الأخلاق والقيّم التي تغتصب يومياً بالجزائر؟ أوَلم يخطئ ذلك الشّخص تصويبَ مطرقته؟ وتعقيباً على ذلك، كيف نفسّر إذن أمر عمر بن الخطّاب بعدمِ هدمِ الكنائس كونها دوراً للرّب، أوَليست مليئة بتماثيل ومعالم أثريّة كهذه؟

- ثالثاً: بالنّسبة لمن رحّبوا بالأمر كخطوةٍ لمسح آثار المرور الفرنسي بالجزائر، وهاجموا من سخط بالأمر؛ لأنه تشويه للتاريخ وللفن (أنا كعَيّنة) أنا لا أدافع عنه كتمثال، أنا أدافع عنه كتاريخٍ للجزائر حتّى وإن كان للاستعمار، فالتّاريخ لا يعني أن نكتب البطولاتِ فقط، والاستعمار أينما حلّ مختل من يدّعي أنّه يأتي بالسيّئاتِ فقط بل يأتي بشيءٍ من الحسنات أيضاً، نحن اليوم كجزءٍ من السياحة نفتخر بمعالم بَنتها فرنسا والجزائر العاصمة وغيرها شواهد على ذلك، كلّها تاريخ للجزائر لا يَجدر محوُه، نحن بهذا لا نُزكّي استعمار دولة فرنسا للجزائر والتي انتزعت استقلالها منها بشراسة، وباعتبار أنّنا نستخدم كلمة (الاستعمار الفرنسي) فالاستعمار كمصلح هو من عَمّر الشّيء والاستدمار من دَمّر الشّيء، وإن كنتَ رافضاً بحق لكلّ آثار المرور الفرنسي، فأبدأ من تغيير لغة هاتفك وكتابة اسمك على مواقع التّواصل الاجتماعي، لا تقتني منتوجاتٍ فرنسيّة... وسأكتفي بهذا.

بعد كلّ هذا، أنا أذهب إلى اعتبار أنّ تصرّف ذلك الشّخص هو عبارة عن تصرّف شخصي، لا يمثّل لا الإسلام ولا الإسلاميّين ولا مدينة سطيف ولا الجزائر والجزائريّين بشكل عام، لمَ لا يفهم هؤلاء أنّ كلّ الكتب السماويّة نزلت لتهذيب سلوكيات البشر؟

الجزائر اليوم تعيش أكثر لحظاتها إحراجاً كموقعها بالمحافل الدوليّة، نحن في غِنى عن هذا؛ لأن المواطن العربي الآخر الذي سيكلّف نفسه عناءَ متابعة ما يحدث، سيغادر بعد بعض التغريدات وهو مقتنع أن الجزائريين لا يعانون أزمة نظامٍ فحسب بل أزمة مواطَنة، أيّ دولة على وجه الكرة الأرضية تشترك في سَنّ قوانين مشتركة، أحدها رفض التّخريب، فلمَ على الجزائري أن يكون الشّاذ بذلك؟!

التاريخ يجب أن يُحفظ بأشجاره وأحجاره وإن كانت ألماً، لمَ علينا أن ننظر دوماً للأمر بين حلالٍ أو حرام! أكيد أن مرجعنا ديني، لكن هناك تصرّفات تحدث بعيدة عن الدّين تماماً.. هذا يسمّى تخريباً، هكذا أو هكذا سيسمّى تخريباً، كيف ذلك؟! هل يجدر بكلّ شخصٍ تحطيم كلّ شيءٍ يرى أنه لا يروقه تحت أيّ اعتبار ديني أو أياً كان؟

لكلّ مَن هاجم من استنكروا حادثة سطيف، نحن جميعنا اعتدنا كجزائريّين السّكوت، التّلميذ لا يمكنه التعقيب على منهاجٍ دراسي، والمراهق والشّاب لا يمكنه إبداء رأيه بين أصدقائه ولا أسرته..

عزيزي وأخي المواطن، خذها نصيحة من (متمرّد بنظرك أيّها السيّد النّزيه)، أثبتَت الدّراسات أن (نقول رايي ودَز معاهم - أعلى ما في خيلك اركبه) مفيدة للقلب، وأثبتت أيضاً أن (متلازمة الفضالة) لا شِفاء منها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.