المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاني بشر  Headshot

لماذا يحتاج الثوار للموسيقى؟

تم النشر: تم التحديث:

أثناء ترجمتي لكتاب "من إم تي في إلى مكة"، عن سيرة المذيعة الألمانية التي دخلت الإسلام كريستيانا باكر، عرفت أن هناك حوارا دار بينها وبين زميل لها حول جدوى عملها في مجال الموسيقى أثناء الحرب في البوسنة والهرسك في التسعينات. كانت القناة بصدد إقامة حفل غنائي في سراييفو وكانت وجهة نظر كريستيانا أن مشاهد القتل والدمار لا تحتمل عزف الموسيقى والغناء بالإضافة لمشاعر الفقد والأسى عند الناس. وكان زميلها يرى أن الناس وسط المآسي الكبيرة يحتاجون إلى الخروج من هذه الأجواء ولو لوقت قصير. وحين سافرت للبوسنة بعد ذلك وقابلت الناس هناك، وجدت أن وجهة نظر زميلها صحيحة، وعرفت كيف تلعب الموسيقى دورا حين تنتشر مشاعر الخوف والقلق والأسى، إذ تخفف عنهم ما هم فيه وتخرج بهم من أجواء القلق والترقب.

وفي وسط الأزمات يغفل كثيرون عن دور الفنون، فكل الأصوات الجميلة تتوه وسط طبول الحرب. ويظن كثيرون أن مزيدا من الحزن والأسى قادر على تغيير الواقع الأليم. والحقيقة أن الواقع الأليم يحتاج لمواجهته نفوسا رائقة وذهنا صافيا وخيالا جامحا. لقد كانت الموسيقى والأغاني تصدح في ميكروفونات ميدان التحرير خلال ثورة يناير ٢٠١١ فتحرك القلوب وتبكي العيون وتجدد الأمل وتفعل في الناس أضعاف فعل الخطب الرنانة والهتافات المدوية. رغم أن الأغاني المذاعة في ذلك الوقت هي كلمات وألحان سمعها كل الناس لمئات أو آلاف المرات في مناسبات مختلفة، إلا أن الواقع جعل أغنية مثل "يا حبيبتي يا مصر" لشادية وكأنها صدرت لتوها.

الناس غالبا ما تفتقد الموسيقى والفنون وهم في أشد الاحتياج إليها ولكن لا يشعرون، كجسم الإنسان في المناخ البارد جدا حين يتوق للماء بلا شعور بالعطش. وإذا غفل الثوار عن دور الموسيقى والفنون لإيصال معانيهم للناس فإن الثورة المضادة لا تغفل عن هذا. بل إن كل الديكتاتوريات لا تستغني عن المطرب والملحن لا لإلهاء الناس كما يشاع ولكن لمعرفتهم اليقينية أنها لغة خطاب توصل ما لا توصله الكلمات. وهذا يفسر ربما سر الانزعاج الإسرائيلي الشديد من الأغاني الفلسطينية، وخاصة أغنية محمد عساف "يا طير الطاير" التي ذكر فيها اسم البلدات الفلسطينية. لقد ذكر موقع العربية في أغسطس ٢٠١٣ أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن مثل هذه الأغنية عائق أمام استئناف المفاوضات مع الإسرائيليين وأنها تحريض للقضاء على إسرائيل. ولو لم تكن الفنون بصفة عامة تملك كل هذا التأثير، ما أرسلت إسرائيل عملاءها لاغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي في العاصمة البريطانية لندن عام ١٩٨٧ وتضحي بالعلاقات الدبلوماسية مع الحكومة البريطانية في ذلك الحين التي كانت تترأسها مارجريت تاتشر والتي طردت ملحقا في السفارة الإسرائيلية بلندن بعد هذه الحادثة بالإضافة لثلاثة عملاء للموساد.

إن الفنون وخاصة الموسيقى هي تعبير ذاتي عن الإنسان قبل أن تكون أداة لمتعته، ومحاولة للخروج من حيز الواقع إلى أفق أرحب. وهي ليست سلاحا كما يردد البعض، لأن السلاح أداة ذات هدف معين وموجهة من خصم إلى خصم. وإذا ما تحولت الفنون إلى سلاح فقدت بريقها ومتعتها والأهم من هذا الغرض الأساسي منها وأصبحت أداة للاستهلاك بين دوائر بشرية محدودة. أما إذا حافظ على استقلاليتها واستمرت كأداة تعبير ذاتي عما يجيش في صدر الفنان، أزهرت وأثمرت وانتشرت ولا تجف مهما طال الزمن.

يحتاج الثوار إذا للموسيقى لأنهم في معركة السلاح لا يستطيعون مواجهة الثورة المضادة. وفي معركة الاقتصاد، كان الباطل دائما معه من كنوز المال ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة. ينتصر الثوار بالحلم والأمل، والموسيقى هي خير وعاء يجسد الحلم والأمل.

للاطلاع على المصدر الاصلي اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.