المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاني بشر  Headshot

الجذور التاريخية لرباعية نوبل التونسية

تم النشر: تم التحديث:

الشمس تشرق دائما من تونس. غير أن العرب لم ينتبهوا لإشارة تلو أخرى تأتي من هذا البلد الصغير حجما والكبير مقاما. فشرارة الثورات العربية لم تكن أول سهم انطلق من الكنانة التونسية ولن يكون الأخير. ونظرة سريعة على ماضي آخر الإشراقات التونسية في محفل نوبل كفيلة بأن تلهم العرب بعض الدروس. فنحن أمام تقدير منح لمكونات رئيسية أربعة تشكل العمود الفقري للمجتمع المدني التونسي. وهي قصة نضال أربع مؤسسات غير حزبية بدأت قبل عدة عقود.
وتعود القصة إلى أربعينيات القرن الماضي، فبخلاف معظم الدول العربية، لم يأتِ الاستقلال في تونس على ظهور دبابات انقلابات جنرالات في الجيش، وإنما أتى على يد نضال نقابي مدني مثله الاتحاد التونسي للشغل. ففي ٢٠ من يناير ١٩٤٦ انعقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام التونسي للشغل في تونس المحتلة من قبل فرنسا. واختارت الحركة النقابية التونسية لرئاسة هذه الاتحاد الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، أحد علماء جامع الزيتونة البارزين وواحد من الناشطين البارزين في تلك الحقبة ونجل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة وصاحب تفسير القرآن التحرير والتنوير. كما اختارت الحركة أيضا فرحات حشاد، أحد النقابيين البارزين أمينا عاما والذي قاد الكفاح الوطني للاستقلال في تونس حتى اغتياله عام ١٩٥٢ في حادثة غامضة لم يكشف عنها النقاب حتى اليوم. وهي الحادثة التي حرمت تونس ما بعد الاستقلال عام ١٩٥٦من قيادة بارزة كان يمكن أن تساهم في تغيير مسار البلاد الذي انفرد به الحبيب بورقيبة والذي كان يعيش ما بين المنفى والسجن منذ عام ١٩٤٥وحتى عام ١٩٥٥ عندما شرعت فرنسا في التفاوض معه حول منح تونس وثيقة استقلال داخلي.
لعب الاتحاد دورا مهما في حصول تونس على استقلالها. فرغم أنه يعرِّف نفسه بأنه كيان غير حزبي أو سياسي، إلا أنه تبنى قضية الاستقلال كمطلب وطني. وكان الاتحاد سفيرا شعبيا لمطالب الحركة الوطنية الطامحة للاستقلال أمام المحافل الدولية وخاصة بعد عضويته في الاتحاد الدولي للنقابات الحرة عام ١٩٥١. تولى أعضاء بالمكتب التنفيذي للاتحاد حقائب وزارية في أول حكومة تونسية بعد الاستقلال، وانحاز الاتحاد لبورقيبة في صراعه مع غريمه صالح بن يوسف عامي ١٩٥٥ و١٩٥٦؛ إذ كان يعارض بن يوسف نمط الاستقلال الذي قبل به بورقيبة. وتطور الخلاف بينهما إلى استقطاب كبير بين مناصري كلا الفريقين. وبعد الخميس الأسود في ٢٦ يناير عام ١٩٧٨ الذي أعقب إعلان الاتحاد لإضراب عام، توترت علاقة الاتحاد التونسي للشغل مع بورقيبة. وبقيت العلاقة بين الاتحاد والسلطة تراوح مكانها. حتى انضمت قواعد الاتحاد لثورة الياسمين عام ٢٠١١.
وخلال فترة السبعينات، عرفت تونس النضال المؤسسي لدفاع عن حقوق الإنسان بشكل مبكر للغاية وكان لها قصب السبق إفريقيا وعربيا في هذا الأمر. فحين بلغ خنق الحريات أوجه في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، أعلن عدد من النشطاء تأسيس أول منظمة حقوق إنسان في إفريقيا والعالم العربي تحت اسم الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عام ١٩٧٧. وكان لحركة الديموقراطيين الإشتراكيين ،التي تأسست رسميا بعد ذلك بعام واحد، دور كبير في تأسيس هذه الرابطة. والحركة هي انشقاق عن الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم وكان على رأسها أحمد المستيري ومصطفى بن جعفر. وكان يغلب على مسئولي الرابطة لون هذه الحركة رغم أنها كيان غير حزبي، حتى دخل في إدارتها أعضاء من حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة حاليا) ومن الشيوعيين أيضا. ويعد أحمد المستيري، كما يقول راشد الغنوشي، أبا شرعيا للمشروع الديموقراطي الذي تم إجهاضه في تونس وتتلمذ على يديه الجيل الأول من أبناء الحركة الإسلامية فيها.
ترأس هذه الرابطة الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي حين كان طبيبا وناشطا حقوقيا وعمل نائبا لرئيسها الكاتب والباحث صلاح الدين الجورشي، العضو السابق في حركة الاتجاه الإسلامي. وكانت الحركة حاضرة بقوة في كل المنعطفات التاريخية في تونس، تدافع عن حقوق الإنسان ولا تفرق في دفاعها بين سياسي من هذا الاتجاه أو ذاك. كما حافظت على مسافة بينها وبين العمل الحزبي المباشر في لحظات شديدة التوتر بين السلطة والمعارضة رغم محاولات السلطة التي لا تهدأ لمنع مؤتمراتها بالقوة وتجفيف منابع تمويلها ومحاولة إخضاعها للإشراف الحكومي المباشر. وتمكنت أخيرا بعد ثورة الياسمين من عقد مؤتمرها السادس الذي منعته سلطة بن علي.
لا يتسع المقام لذكر مزيد من التفاصيل والدور الوطني لدور الهيئة الوطنية للمحامين بتونس ولا الاتحاد التونسي للصناعة والحرف والصناعات اليدوية . لكن هذه الخلفية التاريخية تبين لنا كيف أن المجتمع المدني التونسي برغم التضييق ومصادرة الحريات في الحقبتين البورقيبية وأثناء حكم بن علي، استطاع أن يحافظ على الحد الأدني من دوره النضالي. وحين كانت البلاد على شفا أزمة لم تنج منها معظم دول الثورات العربية، استطاع هذا الرباعي المؤسسي أن ينقذ تونس من مصير لا يعلم أحد كيف سيكون مداه. فالأمر لم يكن مجرد وساطة شخصيات عامة بقدر ما كان حوارا وطنيا حقيقا بين مكونات للمجتمع التونسي لها من الشرعية التاريخية والنضالية ما يؤهلها للعب هذا الدور. هذا المجتمع الذي دخلته أنوار المصلحين الكبار في العصر الحديث بدءا من خير الدين باشا التونسي وكتابه الشهير "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" منتصف القرن التاسع عشر ومرورا بالعديد من المفكرين والمصلحين. لكن الخبرة التونسية على المستوى الفكري والسياسي كنز غير مكتشف في معظم أرجاء العالم العربي. وأخيرا، إنما الدول المجتمعات المدنية ما بقيت، فإن هم ذهبت مجتمعاتهم المدنية ذهبوا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.