المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاني بشر  Headshot

إبراهيم الخليل مناضلاً!

تم النشر: تم التحديث:

في موسم الحج نتذكر نبياً ومناضلاً هو إبراهيم الخليل عليه السلام. ذاك الفتى الباحث عن الحقيقة، المتفكر في الكون، والشيخ المهاجر والمناضل ضد العبودية والمضطهد دينيا. زوج أم العرب، هاجر المصرية، أم إسماعيل الذبيح عليهما السلام. أبو الأنبياء وخليل الرحمن الذي حاور السلطتين الأبوية والسياسية بالتي هي أحسن، فتعرض للأذى من كليهما. طاف في مثلث أرض الروحانيات والرسالات في قلب العالم من بيت المقدس إلى مصر إلى وادٍ غير ذي زرع في مكة. طاف في البقاع التي سيخرج منها أنبياء من صلبه يواجهون الطاغوت ويُخرجون العباد من ظلم العباد إلى حرية رب العباد. "والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين".

في ذكرى نضال إبراهيم عليه السلام يسافر الحجاج كما سافر إلى مكة المكرمة ولا يجادلون بل يحاورون بالحسنى. فـ"لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج"، ويتحررون من كل سطوة دنيوية أو دينية تقهر العباد أو تفسد في البلاد "كلا لا تطعه واسجد واقترب"، كما يتعلمون النضال بالإيمان الراسخ واليقين العميق.

بدأ ابتلاء النبي إبراهيم بالسلطة الأبوية التي لا تعترف بما هو جديد وتكافح التغيير بكل ما أوتيت من قوة، وتفضل العيش في جلباب الماضي وما وجدوا عليه آبائهم. "قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم، لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا".

ثم تعرض خليل الرحمن إلى ابتلاء حاكمي دولتين مركزيتين هما العراق ومصر، فلم يستخدم السكين في قتل النمرود أو الفرعون، بل استخدم سلاحا آخر: "قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر".

ولم يرفع إبراهيم السكين على بشر سوى في محاولة ذبح ابنه إسماعيل، عليه السلام، الذي جاءه بعد طول انتظار امتثالا لأمر إلهي قبل أن تأتي البشرى "يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين" فالله لا يريد من عباده قرابين بشرية ليرضى "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم"

إبراهيم الذي كان أمّةََ قانتا لله، بدأ رحلته بالشك والتفكر، يرى في الكوكب والقمر والشمس أربابا حتى إذا أفلت قال لا أحب الآفلين. لم يأته اليقين جاهزا على طبق من ذهب، بل بزغ اليقين من السؤال والنظر والشك.

واستمر الخليل وفيا لطريقته الأولى في التفكير والنظر. لم يلغِ عقله وهو نبي مرسل، ويروي البخاري عن محمد، عليه الصلاة والسلام قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال "رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي".

مات إبراهيم الخيل وظهر موسى، عليه السلام، نبيا في مصر وعيسى، عليه السلام، نبيا في بيت المقدس قبل أن تعود الدعوة إلى سيرتها الأولى ويكتمل ضلع المثلث في واد غير زرع وليتنزل الملَك جبريل على جبل يضم نبيا من نسل إبراهيم، هو محمد، عليه الصلاة والسلام، ويتلو عليه أولى آيات الكتاب الخاتم "إقرأ باسم ربك الخلق"، ولنزور نحن الوادي ذاته ونقرأ من الكتاب نفسه ونسجد ونتحرر ونفكر ونرتقي.

لم يشرع الحج إلى مدينة الرسول محمد، عليه الصلاة والسلام، بل إلى الوادي نفسه الذي رفع فيه أبو الأنبياء وأبو العرب القواعد من البيت. ولا يقتفي الحجاج في الشعائر خطى خديجة أو فاطمة رضي الله عنهما وإنما يسعون ويهرولون مثل هاجر عليها السلام "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون".

هي البلدة التي أخرجت خاتم المرسلين فارا بدينه كما فر جده الأكبر إبراهيم بدينه من قبل. وبعد فتحها على يد محمد صلى الله عليه وسلم لم يمكث فيها رغم أنها أحب بلاد الله إلى الله وأحبها إلى نفسه. تركها ليعود إلى القوم الذين آووه ونصروه هو وأصحابه ليعيش ويدفن بينهم في المدينة المنورة.

ويبقى الوادي كما هو ببيته العتيق شاهدا على ملة أبي الأنبياء إبراهيم الذي سماكم المسلمين وصاحب أول دعوة ونداء للحج. "سلام على ابراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين."

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.