المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هاني بشر  Headshot

إنني براء منكم

تم النشر: تم التحديث:

وكأن الموت قرر أن يكون ضيفا دائما على جيلنا، يذكرنا بقربه في كل مرة. من لم يمت برصاصة مستبد، أسلم الروح صغيرا. قدرنا أن نودع كثيرين ممن أرخوا لهذه الأيام بكتاباتهم وصورهم. لم أكن أتخيل أن براء أشرف سيكون واحدا من هؤلاء. كتلة من البهجة تتحرك بخفة وسرعة، تنثر الأسئلة ولا تقتنع بالإجابات. يحمل الهم العام كمشكل شخصي. ويبوح بما يجيش به صدره، ليلعب دور الشاهد بالقلم والكاميرا على عصر صعب.

واحد من الذين أعادوا صياغة علاقتهم بالانتماء الإنساني العام وأحبوا التفاصيل المصرية الدقيقة وغرقوا في حب مصر حتى الثمالة. كنت شاهدا على تفاعلة مع أزمة تزوير انتخابات ٢٠٠٥ وشهادة المستشارة نهى الزيني حين قال عنها أمي نهى الزيني، مرورا بالثورة المصرية وهو يهاتفني ملحا أن يصل صوته لشاشة الجزيرة ليشرح ما يتعرض له الثوار في ميدان التحرير. وكنت شاهدا على حلم له لم يتحقق في تجسيد ثورة يناير في فيلم يعرض في شاشات السينما.
براء واحد من جيل النصر المفقود، الباحث عن المعنى والساعي لتجسيد أفكاره وأحلامه بأية وسيلة يستطيع إليها سبيلا. بدأ في التدوين مع ظاهرة المدونيين الشباب ثم غرق في بحر الأفلام الوثائقية قبل أن ترده الكتابة إلى الصحافة المكتوبة والإليكترونية ردا جميلا، فكتب مقالات منتظمة في صحف ومواقع عربية. هاتفني قبل أشهر يبحث عن مكان جديد يكتب فيه مزيدا من المقالات، حينها لم يدر بخلدي أنه آخر حوار معه.

ينتمي براء أشرف إلى نخبة مصرية موازية، دائرتها أوسع من مصطلح فضفاض اسمه الشباب. نخبة غير مؤطرة حزبيا ولا حركيا ولم تشغل أي عمل تنفيذي، لكنها قطعا تعمل كضمير للتيار العام الذي لم تتح له فرصة البوح الكامل. هؤلاء الذين يصرخون نيابة عن الناس، ويوثقون أحلام جيل لا تزال تسرق أمنياته جهارا نهارا.
لا أدري لماذا ذكرني موته بحادث غرق الطفل السوري إيلان الكردي. ربما لأن الجميع يعرف أن براء كان طفلا كبيرا. وربما لأن الوضع في مصر أرغمه على تركها والعمل من اسطنبول ليشارك عشرات الآلاف من السوريين مأساتهم وهو كاره للغياب، حتى رتب له القدر عودا عجيبا لمصر قبل وفاته بأيام. أو ربما لأن موته أحيا كثيرا من الشجن والأسى والإنسانية في نفوس كثيرين كما فعلت فينا صورة الطفل السوري إيلان .

إن ملابسات موت براء تتشابه مع ظروف موت صديق عزيز آخر غيبه الموت شابا وهو الكاتب الصحفي حسام تمام. مصر كلها تقريبا اختلفت على كل شيء وأي شئ بعد الثورة لكنها تجتمعت في سرادق عزاء حسام تمام في الاسكندرية. وبعد عدة سنوات وقد تحول الخلاف بين المصريين إلى استقطاب سياسي حاد بلغ أوجه، يأتي موت براء ليتهاوى هذا الاستقطاب أمام جلال فقد هذا الصديق العزيز، وليوحد نعيه أطراف الاستقطاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. والرسالة واضحة، وهي أن بين أيدينا جواهر من البشر عابرة للأيدلوجيات والأحزاب ولها مكانة كبيرة في نفوس الجميع. وقدرة أي مجتمع على تجاوز أزماته لا تقاس فقط بما يمتلكه من عقول وأموال، بل بما رُزق من شخصيات قادرة على العزف المنفرد للحن نشيد يطرب له الجميع.

لم يكن براء أشرف من تلك الشخصيات المثالية طبقا للمعايير التقليدية. ولم يسع يوما ليكون ضمن قائمة المثاليين. كان يحاول دائما أن يثبت أنه إنسان طبيعي عادي. وكانت أعماله تقول إنني براء منكم أتحدث عنكم. لا يفرقه عن الآخرين سوى مجموعة أفكار وكلمات. كلمات ليست كالكلمات.

لا أنس حلمين أو نبؤتين له، إحداها أخبرني به وهو أن يغطي إعلان فيلم كبير عن الثورة المصرية دور العرض السينمائي ويصطف الجمهور أفواجا ليشاهدوه، والثانية كتبها في مقاله "ماذا قال الرئيس في ذكرى مذبحة رابعة؟" حين تخيل أبراء نفسه وقد أوشك على أن يحتفل بذكرى ميلاده الخمسين عام ٢٠٣٥ والذي يعقب ذكرى فض رابعة بأيام، وقد أتى رئيس جديد لمصر دعاه لحفل كبير في رئاسة الجمهوية ليعتذر باسم الدولة والمجتمع عن سفك الدماء وفتح تحقيق شفاف في المجزرة ويتعهد بمستقبل جديد لهذا البلد لا يقتل فيه أحد باسم السياسية.

تخيل براء نفسه حينها متكأ على عكاز أسود سقط إلى جوار كرسيه وهو يجهش بالبكاء بصوت مسموع ويكتب إلى ابنته التي تخيلها وقد كبرت وتزوجت وأقامت خارج مصر. يقول لها الآن يا ابنتي من حقك، العودة إلى وطنك وتربية أبنائك فيه.. بل، والاحتفال بعيد ميلادي، دون حزن أو بؤس.

لن يبلغ براء للأسف الخمسين ولن يحضر هذا الاحتفال إذا أقيم، ولن يشاهد فيلما عن ثورة يناير في السينمات المصرية، لكن هذه الأحلام وغيرها ستنتقل من جيل لجيل. وقد تفاجئنا بتحققها يوما ما، فالمفاجئات ليست محصورة في الموت والفقد. يسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع