المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حنان فرحات  Headshot

وجهٌ جديد

تم النشر: تم التحديث:

حين تنظر في المرآة صباحاً، تشعر بأنّك رأيتَ انعكاس صورتك من قبل.. لكن ليس بهذه الدّقّة. هناك خطوط جديدة ترتسم كلّ يوم بين قسماتك.. أحداث وتبريرات وتفسيرات لحدث واصطدام وردّة فعل، كان بسلوك أو كلام أو مجرّد تعابير وجه.. كلّ ذلك يرسم داخل الإطار ذاته، كل صباحٍ، وجهاً جديداً.

النّهار ذاته يبدأ عند البعض بقطعة شوكولا، فنجان قهوة، منقوشة زعتر، رقائق ذرة مع الحليب، أو جافّاً من غير فطور. وقد يتصاحب ذلك مع دعاء بالتّوفيق أو ""سمّة بدن" مغلّفة بإتّصالٍ مشؤوم أو ثقب في إطار أو حتى سائق متهور يكفل ارتفاع ضغط دمك قبل ارتفاع شمس الضّحى. لكنّ تراكم الأحداث التي تقع في الفترة الزّمنية ما بين مغادرتك فراشك صباحاً وعودتك إليه مساءً تشكّل مع مع الوقت مخزونَ ذكرياتك والأسس التي ستتخذ بالاستناد عليها ردّات فعلك وخطواتك القادمة.

وجوه جديدة تدخل في خضمّ الأحداث إلى دائرتك، ووجوه عزيزة تنسلّ خارجاً بهدوءٍ، دون أن تلحظَ الفراغ التي ستخلّفه حتّى قبل أن تغادر. سيصعب عليك تقبّل الأمر، فأنتَ حين تفتح ذراعيك لصداقةٍ أو زمالةٍ أو شراكة عمرٍ تزيل خيار إزاحتكَ جانباً عندما يتحتّم الأمر.. ولكنني لست أكتب لأثرثر عن أهمّيّة القناعة، فأنا لا أرغب -ولو لمرّة- في التّبرير لمن ينسحب عندما تتعارض أهواؤه ومصالحه مع التّواجد قربك.. لكن دعني أمسك بيدك ونذهب سويةً إلى آخر لقاءٍ كان لك مع الموت، المرّة الأخيرة التي بكيتَ فيها عزيزاً، والمرة الأخيرة التي فُجعت فيها بِفَقْدٍ.

الموت اثنان: حالةٌ أولى، قارسة البرودة، تتحجّر فيها ملامحنا فتيبس الكلمات.. ثم حالة أخرى، هي لحظةُ تصديق وقوع الحالة الأولى، وفتحٌ لِباب المُضيّ قُدماً نحو تجاوز المحنة.. وأمّا الأخيرة فتبدأ بنوبة بكاء تجعلها أشبه بيوم ممطر بارد، ستطلع بعده شمس تبخّر الدّموع وتدفئ الأوصال.. نوبة قد يطول بها الوقت قبل أن تأتي،.. لكنّها ستأتي. وقد قيل لي من قبل إن بعض الأسباب لا يجب أن تُعرف، فلو أن من الحكمة معرفة كل شيء لَأَطلعنا سبحانه وتعالى على الغيب.. ولا أرى سؤالاً تلهج به الألسنة في حضرة الموت أكثر من "لماذا؟"، ولا أرى أبلغ من الصبر والإيمان بقضاء الله وقدره إجابة عليه. وهذا فيما يخصّ الفقد الأعظم.. فكيف إن كان يتعلّق بخسارة فرصةٍ، أو إغلاق باب رزقٍ، أو إطباقِ شفتين عن الحديث معك، وكلّها مما يقدر عليه العبد بعون الرّبّ؟

عُلِمتُ صغيرةً أنّ الإنسان جُبِل من النّسيان. قد تلزمك حفنة أمتار في بعض الأحيان، لتفصلك عن كل ما حولك. الإبتعاد قليلاً يموّه التفاصيل، ويطهّر القلوب. والابتعاد كثيراً في أحيان أخرى أصفى للنّفس وأدعى للحفاظ على المودّة مع من لا تخصّهم اضطراباتك النفسيّة وتقلّباتك المزاجيّة. من الحصى ما يُرمى ليعكّر صفو المياه، لكنّ منه أيضاً ما تُشكَّل به اللّوحات وتُبنى به الصّروح. لذا، إجعل من هفواتك والوجوه العابرة دروساً تؤكّد لك أن لا ربح حقيقيّاً في الحياة الأولى.. لا شيء سوى محاولاتٍ لتفادي الخسائر.. أحياناً من فرط سعادتنا نظن أن الصُّدف بتيسير من الله لما نريد.. ثمّ نقع، فنفسّر ما جرى بخير تجربة لن تعاد. ثم نقف، ونعزم على السير مجدداً. نصمم على أن لا نقع مرة أخرى.. لكننا نخطئ حين نظن أن تجربة لن توقعنا مرتين.. فالحفر ليست واحدة، المسير فقط واحد. ووحده الله من خلفنا ومن أمامنا، يلتقف خواطرنا حين تقع. لذا، توقّف عن تهشيم صورتك. ليس من الضروريّ أن يمدحك أحد لتكون جيداً. يكفي أن ترى كل صباح في مرآتك ابتسامتك. يكفي أن ترى وجهك من جديد.. كأنّه جديد..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.