المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حنان فرحات  Headshot

الخطة ب.. رحلة لاجئ سوري من تركيا إلى فرنسا!

تم النشر: تم التحديث:

هل فكّرتَ يوماً أنّك ستُضطَرُّ لخطّة بديلةٍ عن حياتك كلّها؟ كلّها بمعنى غطاء نومك، فرشاة أسنانك، رفوف مكتبتك، مرطبانات مونَتِك، بيتك، شارع حارتك، قريتك، وطنك، ثمّ تذهب بعيداً عن عائلتك؟ هل فكّرتَ أنّك قد تشارك في رحلة أدغالٍ كتلك التي تشاهدها في التلفاز؟ أن تسير في الحرّ والبرد؟ أن تحمل على أكتافك همّك وبعض الثياب فقط؟ أن تنزل في المياه فتتنفّس القليل من الحياة مع كثيرٍ من الموت؟ أنا لم أفعل.

لم أظنّ يوماً أنّني سأضطر لخلع حياتي، وارتداء أخرى. لم أظنّ أنني كممرضٍ سأكون الطبيبَ في غرفة عملياتٍ تحت سماء من القصف، وجدارٍ من الحصار.. ولا أنني سأكون المفتاح الوحيد لنجاة أناسٍ لا أعلم كيف أنجيهم، لكن لا خيار. لم أعلم أنّني سأحمل روحي على كفّي بعدها وأسير إلى بلادٍ لجوءاً.. كنّا نخطط للسياحة فيها.. لبلادٍ كان يحرس حدودَها عساكر.. أصبحوا وحوشاً.

أنا ماهر، صديقك، أكلّمك الآن من بلاد الغرب.. خمسة أيام في فرنسا، في بلاد لم تترك جهاز تصوير إلا صورتنا به، ولا وسيلة إعلام إلا عرضتنا عليها، حتى أصبحنا واجهة الصّحف وجدران مواقع التواصل الاجتماعي.. أكلّمك وعائلتي مرميٌّ أفرادها، كلّ واحد في ناحٍ. منذ خرجت من ريف دمشق وغربتي تزداد يوماً بعد يوم. إخوتي تشتّتوا بين بيروت والشام.. أخي الذي في بيروت لا يزال يعيل أختي والوالدة كما أخبرتك سابقاً.. نعم، وضعه صعب، لكنّه الأيسر.. لم أرهما قبل أن آتي إلى هنا، فقلبُ أمّي الواهن لا يحتمل مشقّة القدوم إليّ، وأنا لا أستطيع الوصول إليه.. وأختي قصّتها قصّة أخرى.. وجعُ قلبٍ آخر. من كان يظنّ أن كوكب الأرض يتّسع لشرذمةِ عائلةٍ، بهذه القسوة؟ بهذا البعد؟

في الأول من آب، كنتُ قد اتخذتُ القرار الحاسم، سأتخذُ الطريقَ الذي يسلكُه الجميع. سأهاجر. ليس بالأمر السهل اتخاذ هكذا قرار. أن تراجع ذاتك ألف مرّة قبل أن تنفيَها، ثمّ تبرّر لنفسك أنّ كل شيء حولَكَ نفاها، إلّاك.. أن تحكم بالإعدام على كل ذكرى تمرّ في ذهنك، لأنّ مثلها لن يعود في الغد القريب.. أن تشرب فنجان قهوتك وأنت تعلم أنّ دفئه كاذب وأن صورة أمّك ما عادت تتلألأ فيه، أن تنظر إلى غيمة وأنت تعلم أنّ ظلّها وَهْم.. أنّها هي ذاتها التي تزخّ المطر عليك.. بهذا الكمّ من الخداع اتخذت القرار.

بواسطة محامٍ، استُصدِر جواز سفري واستلمته بعد ثمانية أيام. حجزتُ لي مكاناً في باخرة ستنطلق في العشرين من الشهر المذكور، لكن قبل يومين من موعد الرحلة، تبيّن لي أن جواز السفر يجب أن يكون مختوماً، ففاتني الحجز وفاتتني الرحلة. ولكن لم تكن هذه المشكلة أكثر من حصاة في طريقي.. فالحجارة آتية.. والصخور آتية.. وفي يدي إزميل ومطرقة.

عدّلتُ الخطّة منتقلاً من البحر إلى الجوّ، ولم أجد لي رحلةً قبل الثامن والعشرين.. ثمانية أيام أخرى.. لا يهمّ. المهمّ أن الخطة لا تزال تصلح للوصول.. أو لمحاولة الوصول. الحياة كلّها محطّات، وإن فاتك القطار، فنصفُ زمنٍ من الانتظار ليسَ كأسَ الموت. الموت هو أن تحاول إيقاف القطار والتلويح له لعلّه يتوقّف. أتعلم ما الموت؟ أن يدهسك.

الرحلة كانت من بيروت إلى ألانيا في تركيا، والتي تبعد حوالي ال 600 كيلومتر عن إزمير، هدفنا المرحليّ. موعد الطائرة كان منتصف الليل، التوقيت المفصليّ في كلّ ذكرى سعيدة: ميلاد أو زواج أو سنة جديدة.. ولكن الليل انتصف ولم نطِر.. التأخير عن ذاك لم يكن إلا تنويهاً بأنّ بداية الرحلة ليست سبباً للسعادة.. ليست خطاً فاصلاً لذكرى سعيدة.. ساعتان، وأصبحنا في الجوّ. أن تكون في صندوقٍ في الأعلى شيءٌ مختلفٌ.. مختلفٌ كلياً عن أن تنظر من تحت، فترى البراميل تطير.. هنا احتمال أن تقع فتموت ضئيل، هناك احتمال أن يقع فينفجر فتموت شبه مؤكد.

خلال ساعة، كنا على الأراضي التركية. بعجلةٍ غادرنا ألانيا مع عائلةٍ بسيارتهم، مئة وعشرون ليرة تركية كانت كافية ليوصلونا إلى أنطاليا. هناك ركبنا بحافلة متوجهة إلى إزمير مقابل خمسين دولاراً لي ولرفيقي سويةً.. رفيقي في هذه الرحلة ابن عمّي أبو النور.. وبالمناسبة.. حين تقرأ بقيّة القصّة، ستتنبّه إلى المبالغ التي دفعناها للتنقل وتناول الطعام.. أستطيع أن أراك تستغرب كيف لي أن أدفع كلّ ذاك وراتبي في لبنان مع راتب زوجتي لم يكن ليتجاوز الخمسمائة دولار.. صدّقني لو كان في جيبي كلّ ذاك ما هاجرت.. جيب أبي النّور كان أدفأ.

ستُّ ساعات من السير انتهت بوصولنا إلى وجهتنا؛ إزمير. بعشر ليرات تناولنا ما يسدّ رمقنا، ثمّ توجّهنا بعشر ليرات أخرى نحو مركز التهريب؛ منطقة باصماني. هناك التقينا بالمهرّبين مباشرة، واتفقنا على الخروج معهم منتصف الليل. راودني إحساسٌ غريب. منتصف الليل كان موعد الطائرة التي لم تقلع إلا بعد ساعتين، فهل سنبحر حقاً في هذا الموعد؟ أم سيكون إنذاراً آخراً للعودة؟

انتصف الليل. كنّا قد وصلنا إلى نقطة التهريب، لكنّ الشّرطة كشفت الموقع ما أدّى إلى فشل العملية. اضطررنا إلى النوم في الغابة عندها.. إنذارٌ ثانٍ، استوجب خطة بديلة.. لكلّ شيء خطة ب.
استيقظنا صباحاً، وعدنا إلى باصماني بأربعين ليرة وبعدها بعشرة.. المهمّ أنّنا لم نيأس. نحن نعلم أن الرحلة خطرة منذ البداية. لا شيء مأمون العاقبة، ولا شيء مكفول النتيجة.
المحاولة الثانية كانت بتغيير المهرّب. اتفقنا مرة أخرى، لكن بجهدٍ أكبر، ونفقة أكبر. خرجنا في الثانية ظهراً في سيارات مقابل مئة ليرة لساعتين. وصلنا عند الرابعة تماماً، حيث نزلنا وتابعنا سيراً على الأٌقدام حتى منتصف الليل، متخللاً السيرَ لثمانِي ساعات استراحاتٌ بسيطة. منتصف الليل مجدداً، ذاك الذي كان موعداً للسهر والسّمر في الماضي، يكتب نفسه مجدداً في ذاكرتي بقسوة. لم نعد نشعر بأقدامنا المتورّمة.. ربّما لو شعرنا بها لكان الأمر مرعباً أكثر. على ظهري، الذي يكاد ينقسم، ثياب وبعض التمر والماء، وأمامي، أخيراً، البحر.

لمّا وصلنا، ارتدينا ثياب البحر. لكنّ منتصف الليل لم يكن مسالماً مرة أخرى. القارب المطاطي موجود، والهاربون موجودون، وفجأةً.. الشرطة موجودة. بدأ إطلاق النار العشوائيّ، وأحاط بنا الكثير من عناصر الشرطة.. كمشهدٍ في فيلم بوليسيّ، أسترجع تلك الليلة.. البعض أخذهُم يأسُهم من الواقع إلى القارب رغم كلّ ما يحصل.. والبعض أخذهُم تشبُّثهم بالحياة بعيداً عن المياه.. أما أنا فكنت ممن لا يزال فيهم رمق من الحياة.. بالرغم من توجّهي نحو البحر.

ركضت أحتضن المياه. سبحتُ بكلّ ما أوتيت من عزم.. غرفتُ من الظلام والملوحة ما يكفي ليحفظ جثّتي إن عادت يوماً إلى البرّ... لكنّ أصوات الجاندرما التركية تناهت إلى مسامعي تناديني لأرجع.. وبين أن أذهب إلى بطن المحيط فيتلقفني خفر السواحل، أو أن أعود إليهم مع احتمال كذب وعودهم بعدم أذيتي إن عدت.. ضعُفتُ وعُدتُ. ومن حسن حظي أنّهم صدقوا. ابتلعَت المياه ثيابي وهاتفي المحمول، بينما اقتادني العناصر مع غيري إلى نقطة التفتيش. هناك نمت، أكلت، وأُعطيتُ نعالاً كوني حافياً، ثمّ وجّهوا لي إنذاراً أن لا أعيد الكرّة وأخلوا سبيلي. كان ذلك بمثابة عودة إلى الحياة..

إلى باصماني عدتُ ب خمس وعشرين ليرة، لكنّ أبا النور كان قد اختفى. أربع ساعاتٍ وأنا ألهث من فكرة الفقد، وألهث من قلّة الحياة. كنت آخذ إلى صدري مع الهواء كلّ ما قد يتبادر إلى الذهن من مخاوف ووساوس، إلى أن عاد. عاد بقدمين متورّمتين، وصحّة لا يبدو أنّه بقي له منها شيء.. وبالرغم من أنّ رؤيته واقفاً مجدداً كانت أشبه بمعجزة، إلا أنّها كانت الفرصة الأمثل للشعور باليأس سويّةً..

لم يكن هناك مجال للقيام بمحاولة ثالثة حينها، فقضينا تلك الليلة في المسجد. ثمّ في النهار التالي، قرّرنا أن نُكرِم أنفسنا.. كان علينا أن نأكل حتى لا نستطيع التنفس.. كان علينا أن نأكل ونتناسى.. ثلاثون ليرة قامت بالواجب.

هنا، خارت قواه، واستبدّ به الوهن. أبو النور ما عاد يريد الذهاب إلى حيث نريد. قلتُ له أنني سأذهب في كلّ الأحوال.. معه أو من دونه، سأذهب.. فلم يبقَ أمامه حلّ سوى الخضوع. اتفقنا مع مهرّب جديد، وانطلقنا مجدداً في الساعة الثامنة مساء إلى المكان المحدد، ووصلنا عند العاشرة. هناك أكملنا سيراً على الأقدام حتى الواحدة بعد منتصف الليل إلى أن وصلنا البحر، حيث كانت المفاجأة..

رفض أبو النور الركوب في القارب المطاطي. لمَ؟ لأنّه ببساطة مهترئ، غير صالح للاستخدام، وغير آمن. المهرّبون أصرّوا على أن نركب، وأبو النور أصرّ على موقفه، الأمر الذي جعلهم ينتظرون الدفعة الثانية التي قدِمت تمام الساعة الثانية من بعد منتصف الليل، ليركبوا القارب.

تلك الليلة قضيناها في الغابة، وهم غادروا. نحن نمنا، وهم نامَ ستة عشر شخصاً منهم للأبد. جاء الخبر صباحاً، غرق المركب، وتمدّد الطّفل إيلان على الشاطئ وعلى الشاشات وفي الضمائر.. قدرةُ الله وحدها هي التي جعلته يأخذ مكاننا في القارب.. جعلتني أبقى على قيد الحياة لأروي لك قصّتي، وهو ينظر إلينا من السماء.. هو وخمسة عشر طيفاً لم يسأل عنهم أحد.. ربما لأنهم لم يتمددوا على الرمال بقميص أحمر مثله..

كنا قد استيقظنا جائعين وعطِشين في كَنَف المهرّبين، وبقينا كذلك حتى الساعة السادسة مساءً، حين أحضروا لنا الماء والطعام. كلّمنا بعدها كبيرَهم، كبير المافيا التي تتولى عملية تهريبنا. عندها اكتشفنا أنه مصري، وأن الذين يعملون تحت إمرته أتراك. أحضروا قارباً جديداً وقبطاناً جديداً، كأنّ شيئاً لم يحصل في الأمس، ثمّ عند منتصف الليل كما في كلّ نكبة أصابتنا، ركبنا فيه. كنا نبعدُ مسافةَ خمسين كيلومتراً عن الجزيرة اليونانية بطريق مباشرة، إلا أن الأمر احتاج إلى أن نعدّل المسار حتى لا نُكشَف، فازدادت المسافة خمسة عشر كيلومتراً.

بعد أربع ساعات في عرض البحر، بانت لنا أضواء الجزيرة اليونانية سامس. ظننا لوهلةٍ أن خروجنا من المياه أصبح وشيكاً، فتلقفتنا دوّاماتٌ ثبّتتنا في مكاننا، ومنعتنا من الحراك.. بدا لنا أنّ النهاية وحدها أًصبحت وشيكةً، وأن لا خروج من المياه بسلام. كبّلنا اليأس، وكاد القبطان أن يفقد الأمل.. كان الحلّ الوحيد أن يشغل نظام تحديد المواقع عبر الأقمار الاصطناعية. نحن في المياه التركية. الرّعب سيطر على الرّكاب. الموت حامَ حولنا يحتار بمن يبدأ، والأنفس هرعت تستنجد بخفر السواحل اليوناني. قالوا أنهم سيأتون، ولم يأتوا. علموا أننا سنموت، وتركونا لنفعلَ ذلك بهدوء. ثوب الليل طويل.
لطفُ الله سكّن جَلَبة المياه، وجعلها سلاماً علينا.. أربع ساعات أخرى ووصلنا إلى سامس. الساعة السابعة و45 دقيقة، توقيت لا أظنّ أنني قد أنساه يوماً.
استلّيتُ سِكّيني، وخرقتُ القارب. لم أُرِد أن أعود بأمرٍ من خفر السواحل اليونانية.. لم أُرِد أن أعود بأيّ حال.

على الشاطئ امتدّت أَكُفٌّ للمساعدة، وأعناقٌ للمراقبة والاستجواب، وعدساتٌ لتوثيق لحظات المعونة. على الشاطئ تجلّت إنسانيّة الغرب، وكَرَمُه الذي غاب حين كنّا في عرض البحر تحت ستار الظلام. النّور وحده آمنٌ هناك، تحت مجهر الإعلام. لا يهمّ. مجدداً لا يهمّ. المهم أننا وصلنا سامس أخيراً. هناك، أخذنا إذناً بالإقامة في اليونان مدة ثلاثين يوماً.

بباخرةٍ مدةَ سبع ساعات، توجّهنا من سامس إلى أثينا مقابل مئة يورو، ثمّ بمئة أخرى استقلّينا حافلةً إلى حدود مقدونيا. خمس ساعات من السير أوصلتنا إلى صفِّ مهاجرين يسبقونني وابن عمّي بثلاثة أيام من الانتظار، ولم يكن في جعبتنا المزيد من الصبر. الخطوة التالية كانت الاستعانة بالأقمار الاصطناعية لعبور الغابة. سرنا ثلاث ساعات متتالية، إلى أن وصلنا سكة القطار، لكن القطار لم يكن موجوداً. خيبةٌ أخرى. لا يهمّ. نركلُ خيباتنا ونمضي قدماً.

ثلاثة، أنا وابن عمي وصديقٌ، ركبنا سيارة أجرة بمئة يورو إلى مكان آخر على الحدود، انطلقنا منه سيراً إلى حدود بلادٍ أخرى. هذه المرة، أربع ساعات إلى صربيا حيث الأمور أصبحت أسهل قليلاً. مئة يورو أخرى لسيارة أجرة مخالفة تتكفّل بأمور الشرطة وغيرهم، أوصلتنا إلى حدود هنغاريا. لم أظنّ يوماً أنني سأطأ بقدميّ هذه البلاد كلها.. بهذه السرعة!
الملل والتعب والإرهاق واليأس، مشاعر تختلط عليّ فلا أدري بم أحسّ أولاً.. وصلنا صباحاً، وبدأ السير مجدداً إلى أن أصبحت الشرطة الهنغارية أمامنا، ولا مفرّ من أخذ بصماتنا. بدا الأمر خطيراً... الشرطة في كل مكان.. سيارات.. طائرات.. أجهزة تصوير.. حالة استنفار شاملة.. باختصار، نحتاج خطة بديلة... خطة ب.
تعرّفنا على شخص صربيّ قال إنه يستطيع أن يساعدنا، فسِرنا بإمرته. ساعتان كانتا كفيلتين بخروجه يائساً من ساحتنا، وتوجيهنا إلى صفوف المهاجرين غير الشرعيين لأخذ البصمات. الطريق مسدودةٌ لا محالة، ولا خطة بديلة في الأفق. سرنا مع السائرين وأيدينا مرة تتقدمُنا وأخرى تختبئ خلف ظهورنا لا تريد الانصياع. وبينما هي تترنّح بين الرفض والقبول، ظهر لنا من بعيد بستان ذرةٍ يتوسط الشرطة الصّربية والهنغارية، يفصلنا عنه خندق. كان ذلك طيفاً خلّاباً لخطة جديدة، فارتمينا في أحضانه.

دخلتُ وأبا النور الخندق. طبعاً ليس الأمر بهذه البساطة.. كانت حجّتي لدخوله قضاء حاجةٍ، ثمّ تبعني أبو النور بعد هنيهة وامتدّت بنا الحاجة حتى وصلنا البستان حوالي الساعة الثالثة من بعد الظهر. هناك نمنا حتى المساء، ثمّ استيقظنا لنسير في ربوع البساتين، نقفز ونركض من واحد لآخر.
في أحد البساتين هناك قررنا أخذ قيلولة أيقَظَنا منها صوت غريب لم نظنّه صادراً من غير الشرطة. قليلٌ من الوقت وتوضحت الأمور. أمّ وابنتان عشرينيتان بجنسية نمساوية لا يردن أن يبصمن في هنغاريا لأن زوجها ما زال في النمسا. إحدى الفتاتين تتكلم الألمانية بطلاقة، فاستلمت موضوع الشرطة الهنغارية كونهم يتكلمون الألمانية، ثم هربنا سوية في البساتين حتى وصلنا قرية اسمها سجد. هناك افترقنا نبحث عن سيارات أجرة، وتابعتُ مع أبي النور الطريق إلى بودابست. الساعة العاشرة مساءً كنّا أمام فندق كراكاش. دفعنا للسائق مستحقاته وهممنا بالدخول إلى الفندق فوجدناه مغلقاً.. ولسوء الحظ، أو لحسنه لا أدري، بعد البحث والتدقيق، كان الجواب أنّ الفندق مغلق بالشمع الأحمر بتهمة تهريب السوريين!

تُهنا في بودابست العاصمة.. لا تسأل عن الإرهاق والتعب.. سيرٌ مرة أخرى بعد الركض أميالاً لا تُحصى.. وضياعٌ بعد أن ظننا الوصول... بجهدٍ وجدنا حافلةً أقلّتنا إلى محطة القطار.. وهذه المرة وجدنا القطار.. بدّلنا ثيابنا هناك وحسَّنّا من هيأتنا لنبدو من أهل البلاد، ثمّ تسللنا إلى القطار من غير قطع تذاكر. كما لو أننا في سباقٍ مع الشرطة قضينا كلّ لحظة على متن القطار، ونحن موقنان أنّ من كان معنا في بداية مشوارنا لا يزال على عتبات بلاد بعيدة.. قطار الحياة توقّف لنا أخيراً.

بعد ساعة من انطلاق القطار، طُلبت التذاكر. ومن محاسن الصدف، أنّ رجلاً أمامنا كان قد قطع تذاكر لسبعة أشخاص، فظنّنا المفتّش منهم ولم يتوجّه بكلمة إلينا..! غادر القطار هنغاريا، ثمّ النّمسا.. وبعد أن أًصبحنا في ميونيخ في ألمانيا، إذ بأبي النور يوقظني لأكلّم المفتش.. قال لي: أين تذاكركما؟ فأجبته وأنا أضحك: تذاكرنا من سوريا.. لا تذاكر.. "الله يطعمك الحجّ والناس راجعة.."!

نزلنا في ألمانيا، واصطحبتنا الشرطة إلى تجمّع للفحص الطبي حيث أخذنا أغراضنا معنا، وتناولنا طعامنا، ثمّ أخذونا إلى تجمّع آخر حيث اغتسلنا وأكلنا مرة أخرى مع عدد لا تصدّق كثرته من المهاجرين.. وبينما نحن نتجوّل بين الناس، إذ رأينا طاولة غريبة.. سألنا عنهم، قيل إنهم وفد فرنسيّ برفقته ثلاث حافلات. عرض مجاني: إقامة دائمة، جنسية بعد أربع سنوات بالإضافة إلى السكن. كأنّما ساقنا القدر إليهم، سجّلنا اسمَينا مباشرة، وانطلقنا -صدفة- منتصف الليل. هذه المرّة جاء التوقيت بخير!
الواحدة ظهراً وصلنا باريس.

لا تسأل عن الإعلام، لا تسأل عن ومضات أجهزة التصوير التي تأتيك على غفلة.. لا تسأل عن الصحافيين والمقابلات واللقاءات.. تركتُ كلّ ذلك لأبي النّور وفضّلت البقاء بعيداً.

تخيّل أنّنا هنا في باريس منذ خمسة أيام، وما زلنا نعاني من ضعف في الاتصال بشبكة الإنترنت..! لكنهم قالوا أنّهم سيوصلون الشبكة غداً.. أوافيكَ يا صديقي بباقي التفاصيل حين يقومون بذلك.
ابقَ بخير إلى ذلك الحين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.