المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

غياث بلال Headshot

رهانات العولمة.. هل سيتخلى ترامب عن وعوده التي أطلقها خلال حملته الانتخابية

تم النشر: تم التحديث:

يمكن سَوق الكثير من التحليلات المنطقية والمرضية التي تفسر سلوك الناخب الأميركي الذي أوصل دونالد ترامب إلى السلطة، ويعود ذلك في حقيقة الأمر لشدة تعقيد العوامل والمتغيرات التي تحكم سلوك الناخب الأميركي وتوجه خياراته.

ولكن إذا ابتعدنا عن الأثر المباشر لشخصيات المرشحين، فيمكن لنا القول إن هزيمة هيلاري كلينتون لصالح دونالد ترامب كانت في جوهرها تعبيراً عن الاحتجاج والرفض لمنظومة قيّم الفكر النيوليبرالي القائم على العولمة والتجارة الحرة في مواجهة القيّم التي يمثلها أقصى اليمين المحافظ، والتي باتت تشعر بالتهديد من الانفتاح الهائل على الخارج.

الانفتاح الذي قضى على البنى المحلية التقليدية وغيّر أنماط الحياة الإنسانية المعتادة، واستبدلها بنمط حياة شديد التنافسية، ليس له انتماء إلا إلى سوق العمل.

صعود اليمين في أوروبا وفي أميركا

فرغم أن فوز دونالد ترامب بمقعد الرئاسة في الانتخابات الأميركية شكل صدمة شديدة للكثير من المراقبين، فإن هذا الحدث لم يخالف التوجه العام في المزاج الانتخابي الذي شهدته الدول الغربية الصناعية خلال العقدين الأخيرين، فقبل أشهر من ذلك قام الناخب البريطاني بالتصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبعد فوز ترامب ظهرت دعوات على شبكة الإنترنت تدعو لانفصال كاليفورنيا عن الولايات المتحدة اقتداء بالنموذج البريطاني، وفي فرنسا تستعد مارين لوبن (النسخة الفرنسية لدونالد ترامب) لخوض الانتخابات الرئاسية في العام القادم، بعد أن نجح حزبها "الجبهة الوطنية" في الفوز في الانتخابات البلدية في 11 مدينة في فرنسا. وكان قبل ذلك في الـ2014 قد تفوق في الانتخابات الأوروبية بفارق كبير على حزب "الاتحاد من أجل حركة شعبية" و"الحزب الاشتراكي" الحاكم، الأمر الذي تم وصفه فيما مضى بـ"الزلزال السياسي" و"النتائج الصادمة".

أما في ألمانيا فقد أظهرت استطلاعات الرأي خلال العام الحالي تراجعاً شديداً في شعبية المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بسبب سياستها المنفتحة والمتسامحة فيما يخص استقبال اللاجئين، في الوقت الذي أصبح فيه حزب البديل من أجل ألمانيا المعروف بعدائه الشديد للإسلام وللمهاجرين يتمتع بدعم 14 في المائة من الناخبين الألمان، الأمر الذي سيشكل تحدياً جدياً للمحافظين وغيرهم من الأحزاب السياسية القديمة قبل استحقاق الانتخابات الاتحادية في 2017.

في حين أظهر استطلاع آخر للرأي تم إعداده بتكليف من وكالة الأنباء الألمانية أن 51 في المائة من الألمان يرون أنه يجب حظر ارتداء الحجاب في المدارس، الأمر الذي يشير إلى فجوة كبيرة بين القيّم التي تبشر بها أجهزة الدولة الرسمية من جهة، والداعية للتسامح وللمساواة بين الأعراق والأديان، وبين القيّم المنتشرة فعلياً لدى أكثر من نصف الشعب الألماني من جهة أخرى.

ويمكن كذلك رصد زيادة ملحوظة للمشاعر المعادية للمهاجرين في الدول الأوروبية التي عرفت تقليدياً بثقافة التسامح مع الأجانب، فجميع الإحصاءات تؤكد تزايد نسب الاعتداء على مراكز اللجوء وعلى المساجد والأجانب في الدنمارك والسويد والنمسا، وكذلك في ألمانيا.

ففي النمسا مثلاً ذكر التقرير الصادر عن جهاز المخابرات الداخلية أن السلطات وجهت اتهامات في نحو 1690 قضية لها علاقة بالتطرف اليميني العام الماضي، وهو أكبر عدد من هذه القضايا حتى الآن خلال عام واحد ويقارن مع 1200 قضية في العام 2014، على الرغم من أن النمسا تلقت أقل من مائة ألف طلب لجوء خلال عام 2015.

صعود الشركات العابرة للقارات كلاعب دولي

منذ انهيار حائط برلين، انهارت معه وبالتدريج أغلب أدوات الاقتصاد الاجتماعي التي وفرت حداً أدنى من الحماية للموظفين والعمال في ألمانيا الغربية، وفي الدول التي تليها غرباً.

فبعد أن كان المواطن الألماني -على سبيل مثال- قبل عام ١٩٩٠ ينعم بنظام صحي شبه مجاني وبدل إجازة وافر وراتب تقاعدي محترم، أخذت الدول الغربية تلغي هذه الامتيازات التي كان الهدف منها تحقيق توازن مع المنافس الشيوعي الذي كان يقدم هذه الخدمات أيضاً لمواطنيه.

وخلال العقدين التاليين أعيد تنظيم أغلب قوانين العمل والشركات بالشكل الذي يسهل للشركات الكبرى نقل رؤوس الأموال وتنقل الأفراد والخبرات عبر الحدود بشكل لم يسبق له مثيل، الأمر الذي سمح لأغلب هذه الشركات بتحقيق هوامش ربح عالية، ومستويات نمو تجاوزت في بعض السنوات ضعف نسب نمو الناتج المحلي للدول التي تحتضن مركزها الرئيسي.

ثم جاءت ثورة الاتصالات والإنترنت كي تسهم في سرعة امتداد هذه الشركات عبر الحدود والقارات، الأمر الذي أدى إلى خلق إمبراطوريات مالية واقتصادية لم يسبق أن شهدت البشرية مثلها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تبلغ القيمة السوقية لشركة آبل 534 مليار دولار ووصلت قيمة مبيعاتها في 2015 إلى 233 مليار دولار، في حين بلغ دخل المملكة العربية السعودية من واردات النفط خلال نفس العام 130 مليار دولار.

كما تبلغ القيمة السوقية لشركة Alphabet (الشركة الأم لـ"جوجل") 544 مليار دولار، في حين بلغت عائداتها في عام 2015 نحو 75 مليار دولار، بينما بلغت عائدات دولة الكويت من النفط في نفس العام نحو 49 مليار دولار، كما أن القيمة السوقية لكل واحدة من هاتين الشركتين تفوق قيمة كامل صادرات دول أوبك من النفط، التي بلغت 518 مليار دولار في عام 2015.

ترافق تمدد الشركات العابرة للقارات مع انتشار مجموعة من القيّم التي شكلت بدورها أيديولوجيا جديدة يمكن تسميتها أيديولوجيا العولمة؛ حيث تقوم هذه المنظومة الفكرية على تحرير الإنسان من القيود الاجتماعية والمحلية وتعمل على إمداده بمجموعة من القيّم التي تسهل اندماجه في النموذج الاقتصادي الليبرالي الذي تستند له هذه الشركات، فمن هذه القيّم على سبيل المثال حرية التنقل، وحرية الإقامة والتملك في كل الدول الخاضعة لهذه المنظومة، وكذلك التسامح بين الأديان والأعراق، واحترام المرأة واحترام حقها في العمل، واحترام حقها في الإجهاض، والمساواة بين الجنسين، واحترام حقوق المثليين.

كما تقوم هذه المنظومة كذلك بالتبشير بالديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي يحتضن هذه القيم ويستند لليبرالية الاقتصادية التي تخلق العولمة وتتكئ عليها في آن.

العولمة سحقت الطبقات المتوسطة

أما على الطرف الآخر من هذه المعادلة فأصبح هناك الملايين من العمال ومن موظفي الطبقة الوسطى في العالم الغربي الذين يمتلكون الأمل والحلم في الثراء والرفاهية، ولا يمتلكون الطريق إلى ذلك، رغم أنهم يعملون بكد ولا يدخرون جهداً في سبيل تحسين وضعهم المعيشي، فعملية تراكم الثروات التي تخلقها الشركات العابرة للقارات، والتي تمولها البنوك العابرة للدول لم تعد تسمح للأفراد المتوسطي التعليم أو لأصحاب الحرف بأكثر من العيش الكفاف، وفي بعض الأحيان قد لا تسمح لهم بأكثر من العيش على الهامش الأعلى لحد الفقر، الأمر الذي يعني أن الملايين من البشر في العالم الغربي الغني قد تحولوا إلى مسننات صغيرة تدير آلة العولمة الضخمة التي تعمل بدورها على سحقهم وتحويلهم لعبيد للبنوك وللشركات الكبرى، في الوقت الذي ينصب فيه اهتمام الشركات الكبرى على زيادة الأرباح من خلال رفع الإنتاجية وتخفيض النفقات دون وجود أي اعتبار للإنسان أو للمجتمع الذي تعمل به هذه الشركات.

وبالتالي فإن انتقال شرائح كثيرة من المجتمعات العاملة الغربية إلى مستويات اقتصادية أضعف، وكذلك تخوف أغلب الطبقة الوسطى من فقدان أبنائها القدرة على الصعود الاجتماعي في المستقبل، أصبح المحرك الرئيسي لرفض المنظومة القيمية المرافقة للعولمة، أي أن فقدان هذه المجتمعات الأمل بالقدرة على تأمين ظروف أفضل وخوفهم من المستقبل دفعهم للحنين إلى عصر ما قبل العولمة؛ حيث كانت العلاقات الاقتصادية شديدة المحلية، وكذلك حيث كانت المجتمعات أكثر انغلاقاً، وهذا بالضبط ما تدعو له الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، وهذا أيضاً ما التقطه دونالد ترامب في الولايات المتحدة، فقد قام ترامب بمغازلة الناخب الأميركي من خلال إطلاق الوعود بإغلاق الحدود مع المكسيك من خلال بناء سور ضخم، وطرد الغرباء (غير البيض وغير الأميركيين) ومنع دخول المسلمين ووضع حد للشركات الأجنبية في البلاد من خلال الاعتماد على المنتج الأميركي، وهو خطاب يعد الناخب الأميركي بالعودة إلى قيم الأصالة الأميركية التي كانت سائدة قبل العولمة.

وإن كان انتقال شرائح كبرى من المجتمع في بلداننا العربية إلى ما تحت حدود الفقر، وفقدان الأمل بالمستقبل لدى الأجيال الصاعدة كان المسبب الأول للثورات العربية، فإن حالة مشابهة من حيث المبدأ مع اختلاف في الدرجة وفي المظهر صار يمكن رصدها في العالم الغربي، وليس صعود اليمين المتطرف أو النماذج الثقافية المنغلقة إلا رد فعل رافض للآثار السلبية التي أتت بها العولمة على الطبقات المتوسطة والدنيا في المجتمع، الأمر الذي دفع هذه الشرائح للاحتجاج على آثار العولمة وقيمها.

ولكن في النهاية سيتوجب على الرئيس ترامب التعامل مع المؤسسات السياسية والاقتصادية التي أنتجت العولمة وخلقت شركاتها، والتي أصبحت بدورها مرتهنة لهذه الشركات بأدواتها المالية والإعلامية العملاقة، وبالتالي سيتوجب عليه التراجع عن الكثير من الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية، تماماً كما فعلت تيرزا باي بعد فوزها في الانتخابات البريطانية، فالجميع سيخضع في النهاية لقواعد اللعبة التي كانت أساس وصولهم لسدة الحكم، وإن كان خطابهم الانتخابي معادياً لها، وإلا فإنهم سيغادرون رأس هرم السلطة السياسية بأسرع مما وصلوا له.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.