المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فردوس عمري  Headshot

أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ

تم النشر: تم التحديث:

إذا أردت قتل شعب، فإن الطريقة الوحيدة لقتله، هي أن تقتل لغته.

عندما أتيت إلى تركيا قبل خمس سنوات، عجبت كثيراً واندهشت لعدم نطق الأتراك بلغة أخرى غير لغتهم التركية التي يعتزون بها. في حين عندما تذهب إلى أي دولة أخرى من دول (العالم الثالث) تجد معظم الناس يجيدون الحديث بلغة أجنبية أخرى (فرنسية أو إنجليزية) إضافة إلى اللغة الأم، وبعض الأسر قد يحثون أبناءهم لتعلم اللغات الأجنبية لدرجة أن يفقد الطفل القدرة على الكلام بلغته الأصلية وذلك فقط من أجل الظهور "كول" أو "متمدن".

عندنا في المغرب على سبيل المثال عائلات يسمون أنفسهم فروكوفونيين، وقد لا يكونون يتحدثون داخل البيت إلا باللغة الفرنسية باعتبارها لغة حضارية وأن العربية هي لغة رجعية متخلفة. هؤلاء الأسر يأخذون أبناءهم لمدارس فرنسية ويربونهم على الثقافة الفرنسية أيضاً بكل معانيها، فيصبح الطفل فاقداً لمعنى الهوية بشكل عام.

لغتنا العربية هي من أجمل لغات الأرض وأفصحها، فمثلا كلمة "حب" لها 40 مرادفاً وهي اللغة التي نزل بها القرآن. وعلينا أن نكون على يقين أننا محظوظون لتعلمنا لغة الضاد مع نعومة أظافرنا، لأنها من أصعب اللغات للتعلم ولأن قاموسها غني بالمفردات وهي لغة تخاطب المشاعر والأحاسيس من خلال أشعارها وأدبها.
وكما قال الشاعر حافظ إبراهيم:
أرى لرجال الغرب عزاً ومنعة
وكم عز أقوام بعز لغات
أتوا أهلهم بالمعجزات تفنناً
فيا ليتكم تأتون بالكلمات.

هناك بعض الكلمات في لغتنا الحبيبة لا يمكن ترجمتها بكلمة واحدة، بل قد يتطلب الأمر الشرح عوض الترجمة وهذا من فضائل العربية. لكل بلد لهجته ولكل بلد طريقته في الحديث والتعبير، السوريون يتكلمون بطريقة، السودانيون بطريقة أخرى، السعوديون يستعملون كلمات أخرى للتعبير والمغاربيون كذلك. كل هذه اللهجات تنطلق من لغة واحدة وهي اللغة العربية الأم. ولذلك أظن أن أفضل وسيلة للكلام والتواصل مع أبناء العالم العربي هي الحديث بالعربية وليس الإنجليزية. قد تكون هذه العملية صعبة في البداية لأن الشباب إذا اعتادوا على لهجة يصعب عليهم تغييرها أو اللعب بها حتى يفهمها الآخرون، لكن الانطلاق من عملية تبسيط اللهجات حتى نسهل عملية التواصل قد يتنج في توحيد الأمة.

في مرة من المرات قابلنا ضيفة فلسطينية وجلسنا نناقشها ونتحدث معها، فجاء أخي الصغير الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 8 سنوات أو أقل، فانبهر لكلامها وهمس لي في أذني قائلا: "إنها تتحدث مثل الرسوم المتحركة أو الكارتون".

أظن أن علينا الاتفاق على لهجة موحدة أو على الأقل علينا أن نكون صبورين في فهم اللهجات الأخرى من أنحاء العالم العربي، وعلينا أن نعلم بعضنا بعضاً لهجاتنا حتى نصير أكثر توحداً في المستقبل كما كانت لغتنا في السابق لغة العلوم والثقافة والحضارة. عودوا أنفسكم على شراء كتب باللغة العربية حتى يتعود أبناؤكم على فعل ذلك، وافتخروا بلغتكم العربية كافتخاركم بالحديث باللغات الأجنبية.

وأخيراً، فأحب أن أخبركم أن هناك مجموعة من أصدقائي الأجانب يسألونني عن الدولة المناسبة للتدريب على الكلام باللغة العربية، فأسرح في التفكير ولا أجد جواباً مناسبا لهم فأسكت.
فأنا أحلم باليوم الذي يسعى فيه الرجل الإنجليزي جاهداً للحديث بالعربية، واليوم الذي تصبح فيه لغتنا العربية هي لغة العلم والتعلم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.