المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فراس محمد Headshot

هل ستصبح كردستان "إسرائيل الجديدة"؟وما مصير تركيا حليف الولايات المتحدة التاريخي؟

تم النشر: تم التحديث:

تشهد تركيا خلال الآونة الأخيرة تصعيدا كبيرا في عمليات حزب العمال الكردستاني ضد قوات الجيش والشرطة في جنوب شرق البلاد ذات الأغلبية الكردية، وذلك بعد إعلان الحزب الكردي في الخامس والعشرين من شهر تموز الماضي انتهاء عملية السلام مع الحكومة التركية.

وتأتي هذه العمليات الأخيرة بعد سنوات من الهدوء الذي شهدته تركيا في أعقاب عملية السلام التي أطلقها حزب العدالة والتنمية، وأوقف بموجبها حزب العمال الكردستاني نشاطه العسكري مقابل إعادة إعمار منطقة جنوب شرق تركيا التي دمرت بشكل كبير إبان الحرب التي خاضها الجيش التركي، ضد الانفصالين الأكراد.

فخلال الأيام الماضية شن الجيش التركي عملية عسكرية لمدة ثمانية أيام في مدينة جزرة التابعة لولاية شرناق، شارك فيها حوالي 1500 عسكري من جنود القوات الخاصة، كانت بهدف ضرب مخطط حزب العمال الكردستاني بجعل مدينة جزرة شرارة للحرب الأهلية على حد وصف صحيفة أكشام التركية.

حيث قالت الصحيفة أن 30 إرهابيا نزلوا من الجبال وقاموا بتنظيم 200 شاب للقيام بالأعمال الإرهابية وقطعوا الكهرباء والإنترنت عن المدينة، كما قاموا بإنشاء شبكة أنفاق وخنادق بين البيوت وربطوا أكثر من 150 بيتا ببعضها البعض، وتأتي هذه العملية بعد أيام من مقتل 16 جندياً تركياً في كمين لحزب العمال الكردستاني في بلدة داغليكا.

الولايات المتحدة الامريكية وحرب الوكلاء في المنطقة

الولايات المتحدة الامريكية، ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وطول فترة الحرب الباردة كانت تعتبر تركيا بالإضافة لإسرائيل الركائز الأساسية للسياسة الامريكية في الشرق الأوسط، فتركيا شكلت سدا منيعا أمام المد الشيوعي للمنطقة، كونها على تخوم الاتحاد السوفيتي، كما أنها كانت أحد أهم قواعد حلف الناتو في المنطقة وخاصة قاعدة إنجرليك التي تعتبر من أهم القواعد العسكرية للحلف، وحتى بالنسبة للقضية الكردية كان لوكالة الاستخبارات الأميركية والموساد الإسرائيلي دور بارز في إلقاء القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني من قبل المخابرات التركية.

لكن مع وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا عام 2002 بدأت الامور تأخذ منحى مختلف على مستوى العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، فالحزب الذي حقق نمو كبيرا على مستوى الاقتصاد التركي الذي كان بحالة تبعية مطلقة بسبب الديون الكبيرة التي ترزح تحتها تركيا للبنك الدولي، بدأ ينتهج سياسات خارجية أكثر استقلالية، وكثيرا ما أخذت الحكومة التركية مواقف ضد السياسة الأمريكية خاصة الغزو الأميركي للعراق حيث لم تسمح للطائرات الأميركية باستخدام قاعدة انجرليك وتكرر نفس الشيء في الحرب على تنظيم الدولة، وكان الموقف المناهض لإسرائيل خاصة خلال الحرب على غزة مؤشراً كبيراً على مدى التحول الكبير في السياسة التركية.

هذا التحول الكبير في السياسة التركية دفع أميركا وفق ما يرى مراقبون للبدء بتنفيذ خطة "إسرائيل جديدة" منذ فترة إدارة الرئيس بوش الابن أو بعبارة أخرى " صديق جديد" وهذه الخطة قديمة، تعود لفترة الإطاحة بشاه إيران عام 1979 ، لكن الظروف لم تستدع تنفيذها في ذلك الوقت، أما الأن فإن الأكراد هم المرشحون الاُوفر حظا للعب هذا الدور كما ترى آيلين كوجمان الكاتبة والمحللة التركية في التلفزيون التركي.

هل بدأ الأكراد فعلا بتنفيذ خطة "إسرائيل جديدة"؟

بالعودة للمعطيات على الأرض نجد أن هناك تحولات جذرية في الواقع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، ففي سورية اتخذ الاكراد موقفاً وصف بالانتهازي من قبل معظم فصائل المعارضة السورية، كما اتهم من فصائل أخرى بالعمالة للنظام، حيث قام النظام بتسليم معظم المناطق ذات الأغلبية الكردية للوحدات الكردية والمعروفة بوحدات حماية الشعب (ypk) والتابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (pyd) وهو فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا كما أعلن الحزب عن إنشاء كانتونات تحت الحكم الذاتي في المناطق الخاضعة لسيطرته، وبعد إنشاء التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة ومعركة كوباني تلقى الأكراد دعما غير محدود في حربهم ضد التنظيم حيث سيطروا بمساعدة التحالف الذي تقوده أميركا على مناطق واسعة في شمال سورية تمتد من نهر الفرات على الحدود السورية التركية الى الحدود السورية العراقية في محافظة الحسكة، وقاموا بحملات تهجير كبيرة للسكان العرب، والتركمان في هذه المناطق وفق ما وثقه ناشطون ومنظمات حقوقية، في مشهد أعاد لأذهان العرب صورة التهجير الذي مارسته إسرائيل بحق السكان العرب إبان إقامة الدولة الإسرائيلية، أما على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية فقد أعربت الخارجية في أكثر من مرة أن الأكراد هم الفصيل الذين يرون فيه رأس حربة في حربهم ضد تنظيم الدولة، وذلك في معرض ردهم على الانتقادات التركية لدعم الأكراد في شمال سورية.
أما في العراق فمنذ فترة الاحتلال الأميركي للعراق، نأى الأكراد بأنفسهم عن كل التجاذبات التي تلت الاحتلال، وعملوا على تعزيز سلطتهم المطلقة في إقليم كردستان العراق، كخطوة أولى باتجاه إعلان استقلالهم والذي طالما هددوا به الحكومة المركزية في بغداد، كما أن الدعم الاميركي والأوربي للإقليم خلال الهجوم الذي شنه تنظيم الدولة على المناطق الكردية ترك العديد من إشارات الاستفهام حول آفاق التعاون مع إقليم كردستان بمعزل عن العلاقة مع الحكومة المركزية في بغداد.

بالعودة إلى تركيا والتي يشكل أكرادها العدد الأكبر من ما يسمى كردستان الكبرى فإن الأيام القادمة قد تشهد تحولات عميقة في خارطة التحالفات الأمريكية الكلاسيكية، وقد يتحول التصعيد الكردي الأخير الذي يبدو للوهلة الأولى عبارة عن أزمة داخلية تركية، الى حرب أكثر ضراوة للضغط على تركيا لتغيير استراتيجيتها، خاصة مع المتغيرات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط عموما ودول الجوار كسورية والعراق، وهو اختبار قاس للدولة التركية سيتحدد بموجب المنتصر به شكل الشرق الأوسط بشكل كبير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.