المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فداء الدين السيد عيسى Headshot

تأملات في سؤال النهضة

تم النشر: تم التحديث:

شكّل فوز حزب العدالة والتنمية التركي ذي الجذور الإسلامية مرحلة جديدة في وعي مثقفي الأمة وشباب مشروع النهضة الذين يجتهدون لإعادة الأمة إلى المستوى الحضاري المطلوب. وقد انتشر في الساحة مجموعة كبيرة من المقالات والتحليلات التي تختلف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في الرؤية والنتيجة.

لكن أكثر ما أثار عندي حاسّة التساؤل والتوقف هو الخطاب التقليدي الذي يُحاول أن يُسقط التجربة التركية على الوطن العربي والإسلامي مع اختلاف السياق التاريخي والحضاري بين منظومات الدول المختلفة في هذا المحيط الواسع. إذ إنّ علينا أن نعترف بأنّ الظروف العربية ليست متشابهة مع تلك التركية التي توافرت في الأخيرة وشكّلت طوال الخمسين سنة السابقة منظومة فكرية وسياسية عميقة دعت للاحتكام - ولو جزئياً - لصندوق الانتخابات ممّا ساهم في تطوير خصوصية تركيا السياسية والتي جعلتها تختلف عن دول الشرق الأوسط. مع التشديد على تحقّق مجموعة من العوامل الأخرى التي ساهمت في تشكيل تركيا الحديثة والتي استساغت وجود حزب ذي جذور إسلامية في السلطة.

هذا الخطاب الذي يدعو لاستنساخ التجربة أنتج قصوراً منهجياً ومعرفياً وتاريخياً, إذ تنحصر كثير من تلك المقالات والدراسات حول التجربة التركية, وكذلك التجارب النهضوية الحديثة في إطار المقاربة التي تقف منبهرة أمام التفوق الاقتصادي أو التقني مثلاً, وهذا ما دعا البعض للافتتان بها والدعوة لتقليدها واعتبارها النموذج الذي سيجلب التقدّم, وبناءً على ذلك اتّباع الخطوات بحرفية شديدة, وهنا تكمن العُقدة الكبرى في كون تبنّي أي نمط من أنماط التجارب في المنطقة هو غرق في درك الاستنساخ الناتج عن حالة الانبهار.

إنّ عملية الاقتباس الكلّي لأي تجربة ستؤدّي لمطبّات كثيرة. المشكلة في النظرة الانبهارية هي كونها لا تُضيف للمشروع شيئاً كالسؤال القلق حول مجالات التطبيق وطريقة تطوير التجربة والتحديات المتوقعة أو حتّى مُجرّد نقد التجربة. إنّها النظرة التي تخلق ذاك الاستثناء والاستثناء بطبعه يشغل المُستثنِي عن التفكير خارج الصندوق أي خارج النموذج.

نحن - وبلا شك - بحاجة ماسّة لدراسات وتحليلات لا تُظهر المديح لأي تجربة - سياسية أو اقتصادية - ناجحة في هذا العالم, ولا تدعو إلى تبنّي مباشر لها, لكنّها في ذات الوقت لا تُردّد مقولات النقد والذم التي يُطلقها مناهضو تجارب الحركات الإسلامية عادة أو غيرها من المؤسسات التي تتبنى فكر النهضة والتي لا يرون فيها أي جديد, أو أولئك الذين لا يرون في التجربة التركية - مثلاً - سوى التبعية للغرب في الفكرة والأسلوب, بينما يعلم من أدام النظر أنّ التجربة التركية على سبيل المثال تطرح أسئلة دالة تتعلّق بفلسفة النهوض وعلاقة الهوية والثقافة بالتغيير وبذلك فهي تستحق الدراسة.

إنّ مجموعة من المثقفين ينظرون إلى التجارب الناجحة من منظور علمي وتقني بحت قبل النظر فيها حضارياً, أي النظر في القيم الحقيقية للعلوم الإنسانية وتراكمات الخلفيات النظرية والفكرية والأسس الثقافية لأي أمّة. الكثير من المثقفين إنّما يفعلون ذلك ظنّاً منهم أن المنظور العلمي منظور حيادي صامت لا يُقدّم أي مضمون مؤدلج أو قيمي, بينما نجد أن أكثر النماذج النهضوية تميزاً حافظت في طريق التحوّل الحضاري على لُبّ المبادئ وجوهر القيم والعقائد والغايات السُننية في هذا الكون, ذلك ما حدث في التجربة اليابانية والتي عكست روحاً إبداعية ونَفَساً تجديدياً يقوم على عقلية ثورية تحترم عقائد الناس وقيم المجتمع.

المُعضلة الحقيقية تكمن في اعتبار تجارب النهضة من حولنا نموذجاً جاهزاً للاستنساخ ممّا يستدعي حالة من الركون والكسل والتي تُفقد العقل القدرة على التجديد والابتكار، وهذا يُسهم إسهاماً كبيراً في خلق حالة من الجمود لا تُمكّنه من تقدير اختلافات الوقت والتراب والمجتمع.

الأمّة العربية والإسلامية تعيش حالة من استلاب فكري عن الواقع وعن طرح المبادرات التي تحوّل الأفكار لفعل حضاري, هذا الاستلاب أفرز على مدى عشرات السنين ما يُمكن أن نُسمّيه بمنطق الاستنساخ والمُماثلة حتى صار هذا المنطق في حدّ ذاته سلطة تُعيق حركة النهضة, وهذا ساهم في انتشار ثقافة التقليد وتقليد الثقافة.

التجربة اليابانية مثال حي على أحد النماذج الحضارية التي انبهر بها الكثير من مثقّفي الأمة, انبهار جعل بعضهم يطلق عليها صفة (المعجزة), بينما هي في الحقيقة تجربة نجاح ككل تجارب النجاح التي مرّت على التاريخ قديماً وحديثاً بعد أن استطاعت توفير شروط الحضارة مع رؤية استراتيجية وروح مبادرة تسعى للتغيير والتجديد. والأجدر بنا أن نسهم في دراسة هذه التجارب للإجابة عن السؤال الحاضر الغائب (لماذا تقدّم الآخر وتأخّر المسلمون والعرب؟), وكيف انطلقت هذه التجارب؟ وما الظروف التاريخية التي تم تشكيلها للانطلاق؟

إنّ الإسهام الفكري في عملية النهضة اليوم يحتاج إلى بصيرة نافذة تتمكّن من التفريق بين روح النموذج وواقع النموذج, بين نتائج النموذج وقيمه, سيُساهم ذلك مساهمة فاعلة في قراءة الثوابت التي ترتفع فوق عناصر الوقت والتراب والإنسان, والمتغيرات التي هي اجتهادات تخضع للعناصر ذاتها سلباً أو إيجاباً.

على مُفكّري الأمة ومثقفيها الإعلاء من قيمة الفلسفة والفكر في عملية النهوض الحضاري، إذ إنّ العلم لا يُفكّر كما يقول هايدغر, ولذلك فبناء آمال كبيرة على مُجرّد استجلاب التقنيات المختلفة لن يصنع النهضة التي نسعى لها, ما يصنعها حقيقة البحث في الأفق الفكري والقيم الإنسانية الدافعة للمشاركة في مشروع ثوري نهضوي يتضمن انطلاقة حضارية في الاقتصاد والتقنية والطبيعة والاجتماع والسياسة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.