المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

فجر عبدالناصر  Headshot

ما الذي شعر به أبي في دقائقه الأخيرة؟

تم النشر: تم التحديث:

لقد علمتُ أن الرصاصة التي بدأت رحلتها السعيدة من الجهة اليمنى للجهة اليسرى في عنقه لم تقتله في الحال.

لقد مكث أبي تقريباً ما يقارب 30 دقيقة أو يزيد على قيد الحياة منتظراً الرصاصة الميري أن تشق طريقها كاملاً بداخل عنقه دون أن تقطع كل شباك آماله في أن يرتقي، وأن تصل لنهاية رحلتها بسلام فيفوز كلاهما.

تلك الرحلة بداخل عنقه لم تكن رحلة مملة أو لا تستحق المغامرة، لقد وجدت الرصاصة كل ما تأمله وتريده خلال رحلتها، وجدت شجاعة حرة، وكبرياء، وروحاً جميلة خفيفة وأحلاماً تابعة لوطن ضائع مشتت ومقسم ومُباع، وجدت سلاماً داخلياً وكرماً شديداً، وجدت حقول أرز وكُتّاباً، وجدت صورة لجدي وجدتي.

تلعثمت أيضاً تلك الرصاصة في هتافات كثيرة وحنجرة ذابت من كثرة النباح ومن محاولات بصوت مبحوح لنطق الشهادة، تاهت في أعماقه حتى قابلت الغزالي ورسول الله، تجولت في قلبه فوجدت خمس نساء، مرت على جميع المدن التي زارها ناشراً فيها الإسلام، ثم كانت آخر محطاتها عند ابتسامات كل الشهداء الذين طبع صورهم منذ يناير/كانون الثاني حتى أغسطس/آب.

تلك الرحلة التي ربما في مقياس زماننا لم تأخذ ثانية واحدة، فعند مقياس زمان الرصاصة لم تكن قصيرة كما تبدو، وسواء كانت قصيرة أم طويلة، فإنها بلا شك رحلة سعيدة بالنسبة لرصاصة وجدت كل ما تتمنى.

ولكن يظل السؤال قائماً: ما الذي شعر به أبي في دقائقه الأخيرة؟
لم يشعر إلا بقرصة خفيفة كقرصة البعوضة، لم يشعر سوى أنه قد غُفر له منذ أول قطرة سالت من دمه، لم يرَ سوى مقعده من الجنة، أمن من الفزع الأكبر، ووضع على رأسه تاج الوقار، وكان فرحاً ومبتسماً بما كرمه الله من فضله.

يقول تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"، تلك الرحلة لم تكن النهاية، بل كانت دائماً وستظل كل البداية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.